
حسين العياشي
خبر_ يشلّ إضراب سائقي حافلات النقل الحضري بمدينة مكناس، للأسبوع الثالث على التوالي، أحد أهم المرافق العمومية بالمدينة، بعدما توقفت الحافلات عن تأمين خدماتها بشكل شبه كامل، في أزمة مفتوحة لم تلوح في الأفق بعد أي مؤشرات جدية على قرب انتهائها، بينما تتسع دائرة المتضررين يوماً بعد آخر، ويجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام معاناة يومية تثقل كاهلهم ماديا واجتماعيا.
ولم يعد غياب الحافلات مجرد اضطراب عابر في حركة التنقل، بل تحول إلى عبء ثقيل يفرض على الأسر مراجعة ميزانياتها اليومية، بعدما اضطرت إلى الاعتماد على وسائل نقل بديلة أكثر تكلفة، وفي مقدمتها سيارات الأجرة، التي ترتفع تعريفتها كلما ابتعدت الوجهة عن مركز المدينة، الأمر الذي جعل مصاريف التنقل تستنزف جزءا مهما من دخل العديد من العائلات، خاصة تلك التي يتنقل أكثر من فرد منها إلى الدراسة أو العمل بشكل يومي.
وتبرز الفئات ذات الدخل المحدود باعتبارها الخاسر الأكبر من هذا الوضع، إذ يواجه طلبة الجامعات ومعاهد التكوين المهني، إلى جانب العمال والموظفين، صعوبات متزايدة في بلوغ مقرات الدراسة والعمل، فضلا عن تعذر قضاء مصالحهم الإدارية أو الصحية بسهولة، بعدما فقدوا الوسيلة الوحيدة التي كانت تضمن لهم تنقلاً منتظماً بتكلفة تناسب إمكانياتهم.
وفي قلب هذه الأزمة، يتمسك السائقون بإضرابهم احتجاجا على عدم توصلهم بمستحقاتهم المالية، بعدما تراكمت عليهم الأجور المتأخرة، في وقت لم تنجح فيه المشاورات الجارية حتى الآن في تقريب وجهات النظر أو التوصل إلى اتفاق يعيد الحافلات إلى شوارع المدينة.
وتزامنا مع استمرار هذا الشلل، ارتفعت أصوات من داخل المدينة مطالبة بإنهاء الأزمة بشكل عاجل، مؤكدة أن ساكنة مكناس “ليست في مواجهة عمال شركة سيتي باص، بل تعتبرهم جزءا من أبناء المدينة الذين يقدمون خدمة يومية ويستحقون صون حقوقهم”. ومعلنين تضامنهم الكامل مع السائقين والمراقبين وعمال الصيانة، ويطالبون بتمكينهم من أجورهم المتأخرة، باعتبار أن استقرارهم الاجتماعي ينعكس مباشرة على استقرار المرفق العمومي.
وفي المقابل، وجّهت انتقادات مباشرة إلى طريقة تدبير شركة “CITY BUS” للأزمة، معتبرا أنها تتحمل المسؤولية الأولى عن الوضع الذي آل إليه قطاع النقل الحضري، بعدما وجد العمال أنفسهم دون أجور، والساكنة دون وسيلة نقل. كما دعا السلطات المحلية والجهات المعنية إلى التدخل العاجل لإنهاء الأزمة، وإيجاد حل يعيد الحافلات إلى الخدمة ويحفظ في الآن ذاته حقوق الشغيلة وكرامة المواطنين.
ولم يقتصر مطلب الساكنة، بحسب المصدر ذاته، على إنهاء الإضراب، بل امتد إلى المطالبة بإرساء نموذج جديد للنقل الحضري يضمن خدمة منتظمة وآمنة، تستجيب لحاجيات مختلف أحياء المدينة والمراكز المجاورة، وتضع حداً لحالة الارتباك التي يعيشها هذا القطاع منذ أسابيع.
وفي مقابل هذا الانسداد، تواصل جماعة مكناس، بتنسيق مع سلطات العمالة ووزارة الداخلية، الاشتغال على إعداد حل جذري ومستدام لتدبير قطاع النقل الحضري، غير أن إخراج هذا البديل إلى حيز التنفيذ يظل رهيناً باستكمال إجراءات قانونية وإدارية قد تمتد لأسابيع إضافية، وهو ما ينذر باستمرار معاناة المرتفقين، ما لم يتم التوصل إلى صيغة انتقالية تعيد الحد الأدنى من الخدمة إلى المدينة.
ومع مرور الأيام، تتجاوز الأزمة بعدها المهني لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة مختلف المتدخلين على تدبير مرفق حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين، حيث لم يعد السؤال المطروح متى ستعود الحافلات إلى الشوارع فحسب، بل كيف يمكن ضمان عدم تكرار هذا المشهد مستقبلاً، بما يكفل حقوق العمال ويؤمن للساكنة خدمة نقل عمومي تليق بمدينة بحجم مكناس.





