“هروب جماعي” يهز مصانع الكابلاج بطنجة

حسين العياشي

خبر_ غادرت أعداد متزايدة من العمال والعاملات خطوط الإنتاج داخل شركات الكابلاج وصناعة مكونات السيارات بطنجة، في مشهد بدأ يثير علامات استفهام حول قدرة أحد أهم القطاعات الصناعية بالمغرب على الاحتفاظ بموارده البشرية، بعدما تحولت مناصب الشغل، بالنسبة إلى كثيرين، إلى خيار لا يواكب الإيقاع المتسارع لتكاليف العيش في عاصمة البوغاز.

هذا المعطى وجد طريقه إلى قبة البرلمان، بعدما دقت النائبة البرلمانية عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سلوى البردعي، ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بتنامي ظاهرة “الهروب الجماعي” للعمال من مصانع الكابلاج ومكونات السيارات، معتبرة أن موجات التوظيف التي تعرفها المنطقة الصناعية لم تعد تعكس توسعاً في فرص الشغل بقدر ما أصبحت، في جزء كبير منها، محاولة متواصلة لتعويض المغادرين.

وفي سؤال كتابي وجهته إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، أوضحت البرلمانية، التي تمثل جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، أن المصانع تشهد خلال الآونة الأخيرة وتيرة مرتفعة من عمليات التوظيف، غير أن هذه الدينامية تخفي، بحسب تعبيرها، نزيفاً مستمراً في اليد العاملة، مع تزايد عدد المنسحبين من خطوط الإنتاج.

وأرجعت البردعي جانباً من هذه الظاهرة إلى ضعف الأجور مقارنة بالتحولات التي عرفتها كلفة المعيشة بمدينة طنجة، مشيرة إلى أن رواتب لا تتجاوز في كثير من الحالات أربعة آلاف درهم شهرياً لم تعد، في نظر عدد من العاملين، كافية لمواجهة أعباء السكن والنقل ومتطلبات الحياة اليومية، في مدينة أصبحت من بين أكثر المدن المغربية استقطاباً للاستثمار، وفي الوقت نفسه من أكثرها ارتفاعاً في تكاليف العيش.

ولا يقف النقاش، بحسب البرلمانية، عند حدود الأجور فقط، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة النموذج الصناعي على تحقيق معادلة متوازنة بين جذب الاستثمارات الأجنبية وضمان استقرار اليد العاملة وتحفيزها. فكلما ارتفع الطلب على العمال داخل مصانع السيارات ومكوناتها، برزت الحاجة إلى تحسين شروط العمل بما يحد من دوران الموارد البشرية ويعزز استقرارها.

ومن هذا المنطلق، طالبت البردعي الوزارة الوصية بالكشف عن تقييمها الحقيقي للأسباب الكامنة وراء تزايد مغادرة العمال لشركات الكابلاج وصناعة السيارات بالجهة، مع توضيح الإجراءات التي تعتزم اتخاذها، بتنسيق مع مختلف المتدخلين، لتحسين ظروف الاشتغال، والرفع من جاذبية مناصب الشغل، وضمان احترام معايير العمل اللائق بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المنطقة.

ويأتي هذا الجدل في ظرفية يواصل فيها القطب الصناعي لطنجة-تطوان-الحسيمة تعزيز مكانته كواحد من أهم مراكز صناعة السيارات بإفريقيا، مستفيداً من تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوسع الوحدات الإنتاجية. غير أن هذا النجاح الصناعي، الذي يقدم باعتباره أحد أبرز رهانات الاقتصاد الوطني، يجد نفسه اليوم أمام اختبار لا يقل أهمية عن استقطاب الرساميل، وهو الحفاظ على العنصر البشري الذي يشكل العمود الفقري لهذا النمو، في ظل استمرار الجدل حول الأجور، وجودة مناصب الشغل، وظروف العمل داخل عدد من المصانع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى