
حسين العياشي
خبر_ استهلّ المغرب مرحلة جديدة في سباق الطاقة النظيفة، بعدما كشف تقرير رسمي ألماني عن تقدم التحضيرات الرامية إلى تحويل المملكة إلى منصة استراتيجية لتصدير الهيدروجين الأخضر والكهرباء المتجددة نحو أوروبا، في مشروع يعكس تحوّلاً متسارعاً في خريطة الطاقة العالمية، ويضع الرباط في قلب رهانات الأمن الطاقي الأوروبي.
ففي تقريره السنوي لسنة 2025، الصادر يوم الأربعاء 8 يوليوز 2026، سلّط وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية الضوء على الشراكة الطاقية المغربية الألمانية، باعتبارها إحدى الركائز التي تراهن عليها برلين لتأمين مصادر الطاقة النظيفة مستقبلاً، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري وتنويع مزوديها بالطاقة.
وأوضح التقرير، الممتد على 91 صفحة، أن التعاون بين المغرب وألمانيا انتقل من مرحلة تبادل الخبرات إلى مرحلة الإعداد العملي لبنية تحتية قادرة على نقل الهيدروجين الأخضر والكهرباء المتجددة من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى الأسواق الأوروبية، عبر مشاريع مهيكلة تشمل الموانئ، وشبكات الربط، والإطار القانوني المنظم للتبادل العابر للحدود.
ويبرز التقرير أن الشراكة الطاقية المغربية الألمانية، التي انطلقت سنة 2012، عززت الحضور الاستراتيجي لألمانيا داخل قطاع الطاقات الخضراء بالمغرب، بينما وفّرت للمملكة فرصة ترسيخ موقعها كفاعل إقليمي مرشح لإنتاج وتصدير الوقود النظيف، مستفيدة من مؤهلاتها الطبيعية في الطاقة الشمسية والريحية، ومن موقعها الجغرافي القريب من أوروبا.
وفي هذا السياق، خصّص التقرير حيزاً مهماً لمشروع الممر الثلاثي الذي يربط المغرب وهولندا وألمانيا، والذي جرى بحث تفاصيله خلال اجتماع احتضنته مدينة روتردام في ماي 2025، على هامش القمة العالمية للهيدروجين. وقد تناولت المشاورات مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، بدءاً من تصنيع الهيدروجين الأخضر بالمغرب، مروراً بعمليات النقل والتخزين، وصولاً إلى تزويد الصناعات الألمانية بهذه المادة الحيوية.
كما كشف التقرير عن دراسة أُنجزت لفائدة البنك الدولي، درست إمكانية تحويل المغرب إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، مع إبراز الدور الذي يمكن أن تضطلع به الموانئ المغربية في هذه المنظومة اللوجستية، فضلاً عن مشاركة مؤسسات مغربية وأوروبية في مناقشة متطلبات البنية التحتية وآليات دمج الهيدروجين المغربي داخل السوق الأوروبية.
ولم يقتصر التعاون على الهيدروجين، بل امتد أيضاً إلى مشروع طموح يضم المغرب وإسبانيا والبرتغال وفرنسا وألمانيا، يهدف إلى إرساء سوق مشتركة لتبادل الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة، عبر ما يعرف بخارطة الطريق للتجارة المستدامة للكهرباء.
وترتكز هذه المبادرة على بناء منظومة متكاملة تسمح بتدفق الكهرباء الخضراء بين الدول الخمس، بما يعزز أمنها الطاقي ويرفع من كفاءة استغلال الطاقات المتجددة، فيما تتولى الوكالة المغربية للطاقة المستدامة “مازن” تنسيق أعمال أمانتها التقنية.
ورغم التقدم المسجل، يؤكد التقرير أن الطريق ما يزال يتطلب تجاوز عدد من العقبات قبل انطلاق أولى عمليات التصدير. إذ يشير إلى ضرورة استكمال منظومة دولية للاعتراف بشهادات منشأ الكهرباء الخضراء، وتوحيد القواعد التنظيمية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ووضع آليات واضحة لاستغلال شبكات الربط الكهربائي وتقاسم عائداتها، إلى جانب إبرام اتفاق خاص بالتجارة الكهربائية بين الجانبين، واستقطاب مستثمرين ومشترين مستعدين لإبرام عقود طويلة الأمد.
وفي السياق ذاته، شددت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، على أن تكامل أسواق الكهرباء وشبكاتها سيعزز أمن التزود بالطاقة ويرفع تنافسية الأسعار، فضلاً عن تمكين الشبكات من استيعاب كميات أكبر من الطاقات المتجددة، فيما نبّه السفير الألماني بالرباط إلى أن تصدير الكهرباء الخضراء لن يصبح واقعاً دون استكمال الإطار القانوني والاقتصادي والتقني الذي ينظم هذه المبادلات.
ورغم المؤشرات الإيجابية، حافظ التقرير على قدر من الواقعية، إذ لم يحدد أي موعد رسمي لانطلاق الصادرات المغربية من الهيدروجين أو الكهرباء المتجددة، كما لم يكشف عن حجم الاستثمارات المطلوبة أو الكميات المنتظر تصديرها. ويؤكد أن المشاريع لا تزال في مرحلة الإعداد، حيث تنصب الجهود حالياً على الدراسات التقنية، وتأهيل البنية التحتية، ومواءمة التشريعات، وتأمين التمويلات، قبل الانتقال إلى التنفيذ الفعلي.





