أخلاقيات التنافس في خطاب الطالبي العلمي.. مبدأ ثابت أم ورقة في المعركة الانتخابية؟

إعلام تيفي 

رفع راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، من حدة خطابه تجاه فوزي لقجع، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، في سياق سياسي يتسم بتصاعد التنافس بين مكونات الأغلبية الحكومية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وجاء هذا التصعيد في أعقاب انتقال البرلماني مروان شباعتو من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة أعادت إلى الواجهة الخلافات المرتبطة باستقطاب المنتخبين والمرشحين، ورفعت منسوب التوتر بين الحزبين، بعدما كانا إلى جانب حزب الاستقلال يشكلان مكونات الأغلبية الحكومية.

وكان شباعتو قد ربط قرار مغادرته للتجمع الوطني للأحرار، وفق روايته، بتراكمات مرتبطة بطريقة تدبير الحزب لعلاقته بمنتخبيه وبواقع إقليم ميدلت، معتبرا أن المنطقة لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه، قبل أن تتفاقم الخلافات على خلفية ملفات مرتبطة بالصناعة التقليدية ومطالب المهنيين.

وتزامن هذا التطور مع عودة خطاب الاتهامات المتبادلة بين الحزبين إلى الواجهة، بعدما اتهم المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار حزب الأصالة والمعاصرة باستمالة عدد من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه، متحدثا عن “الاستمالات والضغوط”، ومعتبرا أن هذه الممارسات تمس بأخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي.

غير أن انتقال الخلاف من تدبير العلاقات داخل الأغلبية إلى مواجهة انتخابية مفتوحة يطرح أسئلة حول حدود التنافس بين حليفين حكوميين، خصوصا أن تغيير الانتماء الحزبي يظل، من حيث المبدأ، مرتبطا بالاختيارات السياسية للأفراد، بينما تكمن الإشكالية في طبيعة الأساليب والخطاب المصاحب لهذه التحركات، وفي محاولة كل طرف تقديم استقطاب المنتخبين باعتباره ممارسة مشروعة عندما تصب في مصلحته، ورفضها عندما تأتي من منافسه.

وفي هذا السياق، اكتسبت تصريحات الطالبي العلمي تجاه لقجع دلالة سياسية أكبر، لكونها صدرت في مرحلة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع التوترات التنظيمية بين الحزبين. فانتقال شباعتو إلى صفوف الأصالة والمعاصرة، إلى جانب التحاق لقجع بالحزب نفسه، جعلا من تحركات المنتخبين والقيادات محورا متقدما في الصراع السياسي بين مكونات كانت، إلى وقت قريب، تشتغل داخل أغلبية حكومية واحدة.

من جهة أخرى، وفي خضم الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية، أعاد راشيد الطالبي العلمي وضع ملف الفقر ومعاناة المغاربة في صدارة خطابه، في خطوة تثير أكثر من سؤال حول توقيت هذا التحول في الخطاب السياسي. فبعد سنوات ظل فيها الفقر والصحة والتعليم جزءا من النقاش العمومي، يأتي استحضار هذه الملفات اليوم بنبرة عاطفية قوية، وكأن معاناة المواطن اكتُشفت من جديد مع اقتراب موعد الاقتراع.

ولا تبدو المشكلة في الحديث عن الفقر أو التعبير عن التأثر بمعاناة المغاربة، وإنما في تحويل هذه المعاناة إلى محور للخطاب السياسي دون تقديم حصيلة واضحة تقيس ما تحقق وما تعثر. فالمواطن الذي يعيش ضغوطا اجتماعية واقتصادية لا يحتاج إلى من يذكره بواقعه، لأنه يعيه يوميا، وإنما يحتاج إلى إجابات عن السياسات التي ستغير هذا الواقع، وعن النتائج التي يمكن أن يلمسها بعيدا عن المنصات والخطب.

ومن هذه الزاوية، يضع الطالبي العلمي نفسه أمام سؤال سياسي: هل يتعلق الأمر بإعادة ترتيب الأولويات استجابة لمعاناة اجتماعية حقيقية، أم بإعادة اكتشاف ورقة الفقر داخل خطاب انتخابي يسعى إلى الاقتراب من انشغالات الناخبين؟ لا يمكن الجزم بالنية، لكن توقيت الخطاب يجعل السؤال مشروعا، خصوصا أن محاربة الفقر لا تُقاس بحرارة التصريحات ولا بوقعها العاطفي، وإنما بما تنتجه السياسات العمومية من أثر فعلي في حياة المواطنين.

فالمغاربة لا ينتظرون موسما انتخابيا جديدا ليسمعوا أن الفقر مشكلة، ولا يحتاجون إلى وعود عاطفية بقدر حاجتهم إلى حصيلة قابلة للقياس وحلول ملموسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى