بركنان لـ”إعلام تيفي”: ضعف التنظيمات الحزبية يدفع في الأخير للاعتماد على الأعيان

زكرياء الروضي

يلعب الأعيان والوجهاء المحليون دوراً محورياً في حسم مسار الاستحقاقات الانتخابية، بالنظر إلى ثقلهم الاجتماعي ورصيدهم الرمزي داخل أوساطهم المحلية. فهم لا يكتفون بتشكيل خارطة التحالفات والتوازنات، بل يشكلون صلة وصل مباشرة ومؤثرة بين القواعد الانتخابية والمؤسسات السياسية، مما يجعل توجيهاتهم وشبكة علاقاتهم خياراً حاسماً في توجيه الأصوات ومرجحاً لكفة المرشحين.

وفي هذا الصدد يكشف المحلل السياسي سعيد بركنان، أن دور الأعيان في الحياة السياسية المغربية يقتضي الذهاب أبعد من النظر إليهم باعتبارهم مجرد فاعلين انتخابيين يظهرون قبيل الاستحقاقات. فهذا الدور يرتبط بتاريخ طويل من تطور النسق السياسي المغربي، سواء في علاقته بالسلطة المركزية أو في علاقته بالبنيات الاجتماعية والمحلية التي شكلت، على امتداد التاريخ، إحدى آليات تدبير السلطة والوساطة بينها وبين المجتمع.

ويعتبر بركنان في تصريحه ل”إعلام تيفي”، أنه في خضم الدولة المغربية الحديثة، مع ظهور المؤسسة التشريعية في شكلها الديمقراطي القائم على الانتخابات، أصبحت شرعية التمثيل البرلماني مرتبطة، من الناحية الدستورية والسياسية، بإرادة الكتلة الناخبة التي تعبر عنها من خلال التصويت.

غير أن هذا الانتقال من منطق الوساطة التقليدية إلى منطق التمثيل الديمقراطي لم يلغِ بشكل كامل الأدوار التي كان يقوم بها الأعيان، بل أعاد إنتاجها داخل المجال الانتخابي الحديث بأشكال جديدة.

وأضاف قائلا: فإذا كان تاريخ السلطة المركزية في المغرب قد عرف، في مراحل مختلفة، اعتماداً على القبائل والأعيان في تثبيت نفوذ الدولة المركزية، من خلال علاقات تقوم على الولاء السياسي والاقتصادي مقابل الحماية والاستفادة من بعض الامتيازات، فإن الدولة الحديثة شهدت انتقال جزء من هذا الدور إلى المجال الانتخابي. وأصبح الأعيان في عدد من المناطق يشكلون، بصورة أو بأخرى، بديلاً ميدانياً عن العمل الحزبي، من خلال اعتمادهم على النفوذ العائلي والقبلي والاجتماعي والمالي، وعلى شبكات العلاقات المحلية، لخوض الانتخابات وضمان الأصوات.

المفارقات الأساسية في التجربة السياسية المغربية:

 

وبحسب بركنان فإن الأحزاب السياسية يفترض أن تكون المدرسة الطبيعية لإنتاج النخب، وأن تتولى تأطير المواطنين وتكوين المناضلين وإعدادهم لتحمل المسؤوليات السياسية والانتخابية. غير أن ضعف التنظيمات الحزبية، وضمور العمل التأطيري والتكويني، خصوصاً بين الاستحقاقات الانتخابية، يدفع بعض الأحزاب إلى البحث عن شخصيات تمتلك جاهزية انتخابية بدل الاستثمار في تكوين أطرها وإعدادها لخوض المنافسة السياسية حسب قوله.

ويعتقد المتحدث إن لجوء الأحزاب إلى الأعيان لا يمكن تفسيره فقط بقوة حضورهم الاجتماعي، وإنما يمكن أن يكون مؤشراً على عجز هيكلي داخل المنظومة الحزبية عن إنتاج نخب سياسية جديدة. فالحزب الذي يفترض أن يصنع مرشحه من داخل مدارسه السياسية والتنظيمية يجد نفسه مضطراً إلى استقطاب مرشح جاهز يمتلك القدرة على الفوز، حتى وإن لم يكن له مسار طويل داخل الحزب أو تجربة حقيقية في العمل السياسي والحزبي.

ويربط المحلل السياسي هذا الوضع أيضاً بأزمة أعمق تتعلق بمصداقية الخطاب السياسي. فقد أصبحت بعض الأحزاب تعاني من صعوبة في تجديد خطابها وإنتاج أفكار قادرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها المجتمع. ومع اتساع الفجوة بين الخطاب الحزبي وانتظارات المواطنين وتطلعاتهم المستقبلية، يتراجع تأثير البرنامج السياسي في صناعة الاختيار الانتخابي، مقابل تنامي أهمية العلاقات الشخصية والشبكات الاجتماعية والقدرة على التعبئة المحلية في نظر المتحدث.
ويردف بركنان قائلا: أن عامل آخر لا يمكن تجاهله، خصوصاً في بعض المناطق، وهو القدرة المالية للأعيان على المساهمة في تمويل الحملات الانتخابية. فحين تجتمع لدى المرشح شبكة اجتماعية واسعة مع القدرة على التعبئة والموارد المالية، يصبح بالنسبة لبعض الأحزاب خياراً انتخابياً أكثر ضماناً من الاستثمار في مرشح حزبي يحتاج إلى سنوات من التأطير والتكوين لبناء حضوره داخل المجتمع.

العلاقة التبادلية النفعية بين الحزب والعيّن

 

ويرى بركنان بأن الحزب يمنح التزكية والرمز السياسي، بينما يمنح العَيِّن للحزب شبكته الانتخابية وقدرته على التعبئة وفرص الفوز بالمقعد البرلماني. وفي هذه الحالة، لا يعود الحزب هو الذي يصنع المرشح، وإنما يصبح، في بعض الحالات، مجرد إطار سياسي يوفر للمرشح الجاهز الغطاء القانوني والتنظيمي لخوض الانتخابات.

ووفق ما أفاد به بركنان في معرض تصريحه فإن انتقال الحزب من مؤسسة لإنتاج النخب السياسية إلى مظلة انتخابية لنخب أنتجتها البنيات الاجتماعية والمحلية. فالمرشح الذي كان يفترض أن يصعد من القاعدة الحزبية، مروراً بمراحل التكوين والتأطير والممارسة السياسية، قد يُستبدل بمرشح يمتلك حظوظاً انتخابية أكبر، حتى وإن كان ارتباطه بالحزب حديثاً أو محدوداً.

ويؤكد المحلل أن هذا التحول لا يتوقف آثاره عند حدود العلاقة بين الحزب ومرشحه، بل تمتد إلى طبيعة المؤسسة البرلمانية نفسها. فإذا أصبحت معايير اختيار المرشحين مرتبطة أساساً بالقدرة على الفوز، وبالشبكات الاجتماعية والعائلية والقبلية، وبالموارد المالية، فإن البرلمان قد يجد نفسه أمام ممثلين يمتلكون شرعية انتخابية، لكنهم لا يمتلكون بالضرورة تكويناً سياسياً وحزبياً يؤهلهم للمساهمة الفعلية في صناعة السياسات العمومية والتشريع والرقابة.

أخطار تراجع دور المدارس الحزبية وانعكاسها على مضمون العملية الديمقراطية

 

ولفت المتحدث للأخطار الناتجة عن ذلك هي أن تراجع دور المدارس الحزبية في إنتاج النخب ينعكس على مضمون العملية الديمقراطية نفسها. فالانتخابات لا تعود بالضرورة مناسبة للتنافس بين مشاريع مجتمعية وبرامج سياسية مختلفة، وإنما قد تتحول، في بعض الحالات، إلى منافسة بين شبكات النفوذ والقدرة المالية والروابط العائلية والعشائرية. وبذلك يتراجع السؤال حول: أي مشروع سياسي نريد؟ لصالح سؤال آخر: من يملك القدرة على حشد الأصوات؟

ويعتقد بركنان أن هذا يفرغ الانتخابات تدريجياً من جزء أساسي من مضمونها الديمقراطي، لأن جوهر الانتخابات لا يكمن فقط في اختيار الأشخاص، وإنما في اختيار مشاريع سياسية وبرامج مجتمعية ومدارس فكرية مختلفة لتدبير الشأن العام. فإذا غابت هذه المدارس عن عملية إنتاج المرشحين، وغابت البرامج عن عملية إقناع الناخبين، يصبح التنافس الانتخابي أقرب إلى صراع حول النفوذ والإمكانات منه إلى تنافس ديمقراطي حول البدائل السياسية.

وخلص بركنان إلى أن المطلوب من الحزب الديمقراطي أن يحول صاحب النفوذ الاجتماعي إلى فاعل سياسي مؤطر، وأن ينقل المجتمع من منطق الولاءات الشخصية والعائلية إلى منطق البرامج والمؤسسات. وأما عندما يحدث العكس، ويصبح الحزب هو الذي يستعير نفوذ الأعيان لكي يضمن بقاءه الانتخابي، فإننا نكون أمام انقلاب في وظيفة الوساطة السياسية، بدل أن تقوم الأحزاب بتحديث الأعيان وإدماجهم في مشروع سياسي مؤسساتي، يصبح الأعيان هم الذين يعيدون تشكيل الأحزاب والانتخابات وفق منطق النفوذ المحلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى