“مول الفز كيقفز”. رفض تقصي الحقائق في دعم المواشي يعيد الأحرار إلى دائرة الشبهات السياسية

إعلام تيفي
خبر_حين يفتح ملف بمليارات الدراهم من المال العام، ويطرح سؤال المستفيدين، والنتائج، وأسباب بقاء أسعار اللحوم مرتفعة، ثم يُقابل طلب التحقيق بالرفض، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو المثل الشعبي المعروف: “مول الفز كيقفز”.
رفض الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار الانخراط في لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية لا يمكن اختزاله في تبرير إجرائي أو في حديث عن نهاية الولاية التشريعية أو احترام ميثاق الأغلبية. الملف أكبر من ذلك بكثير، لأنه يتعلق بأموال عمومية، وباختيارات حكومية، وبسوق ظل المواطن يدفع ثمن اضطرابه مباشرة من جيبه.
السؤال اليوم ليس من يريد تسجيل نقطة سياسية على من، بل من يملك الجرأة لفتح الأرقام واللوائح والمعطيات كاملة أمام البرلمان والمغاربة.
من استفاد من دعم الاستيراد؟ كم بلغت المبالغ التي صُرفت؟ هل انعكس الدعم فعلاً على الأسعار؟ ماذا جنى المربون؟ ولماذا ظل المستهلك يؤدي ثمناً مرتفعاً رغم الإجراءات الحكومية المعلنة؟
هذه أسئلة كان يفترض أن تكون لجنة تقصي الحقائق مدخلا مؤسساتيا للإجابة عنها، لا سببا للارتباك أو الرفض.
تزداد المسؤولية السياسية ثقلا حين يتعلق الأمر بحزب ظل حاضرا بقوة في تدبير قطاع الفلاحة لسنوات طويلة، ويتولى اليوم قيادة الحكومة. لذلك، فإن محاولة حصر النقاش في تفاصيل الأغلبية أو الحسابات البرلمانية لن تُبعد السؤال الجوهري: من يتحمل مسؤولية القرارات التي اتُخذت؟ ومن يتحمل مسؤولية نتائجها؟
المغاربة لا يعنيهم كثيرا من ربح جولة سياسية داخل البرلمان. ما يعنيهم هو لماذا لم تؤد الأموال التي ضخت إلى النتائج التي قدمت لهم عند الإعلان عنها، ولماذا بقيت أسعار اللحوم تضغط على القدرة الشرائية، ولماذا ظلت الشكوك قائمة حول المستفيدين من الدعم.
الأكثر إثارة للاستغراب أن ميثاق الأغلبية يستحضر أحيانا وكأنه أعلى مرتبة من حق الرأي العام في المعرفة. والحال أن الانسجام الحكومي لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة سياسية تمنع المساءلة، لأن حماية الأغلبية شيء، وحماية المسؤولين من التدقيق شيء آخر تماماً.
كان بإمكان التجمع الوطني للأحرار أن يحسم الجدل بطريقة بسيطة: دعم لجنة تقصي الحقائق، فتح كل الملفات، نشر المعطيات، تحديد المستفيدين، وتقديم الحصيلة بالأرقام. عندها فقط يمكن أن ينتقل النقاش من الشبهات إلى الوقائع.
أما رفض التحقيق، فهو لا يغلق الملف، بل يضاعف الضغط السياسي حوله.وفي السياسة، كما في الشارع، حين تطرح أسئلة كبيرة حول المال العام، فإن الصمت لا يبدد الشكوك، والرفض لا يمحوها.
ولهذا يبقى السؤال معلقا: إذا كان كل شيء قد تم بشفافية، وإذا لم تكن هناك مسؤوليات تستحق المساءلة، فلماذا القفز كلما طرح مطلب تقصي الحقيقة؟





