حين يفيض الماء في نيبال..لحظة إستدراك لمخاطر ارتفاع منسوب مياه سدود المغرب الرئيسية

بشرى عطوشي
تحليل _ هناك صور لا تحتاج إلى تعليق طويل كي تفتح في الذاكرة أبواباً كنا نفضل أن تبقى مغلقة.
المشاهد التي وصلت من نيبال خلال الأيام الأخيرة، والمياه وهي تجتاح المساحات العمرانية، والطرق التي تختفي في لحظات، والمنشآت التي تصبح عاجزة أمام قوة الطبيعة، لم تكن بالنسبة إلى سكان الشمال المغربي مجرد كارثة تقع في بلد بعيد.
بالنسبة إلى سكان الغرب والشمال، كانت تلك الصور كافية لاستعادة هاجس عاشته المنطقة خلال السنة الماضية: ماذا كان يمكن أن يحدث لو سارت الأمور حول سد واد المخازن في اتجاه أكثر سوءاً؟
لا أحد يريد الإجابة عن هذا السؤال بعد وقوع كارثة. والأهم أننا لسنا في حاجة إلى كارثة حتى نطرحه.
بين صناعة الخوف وصناعة اليقظة
هذه ليست دعوة إلى التخويف، ولا محاولة لصناعة حالة من الهلع حول سد واد المخازن، وليست هناك مبررات لتحويل كل ارتفاع في منسوب المياه إلى سيناريو انهيار. لكن الفرق كبير بين صناعة الخوف وصناعة اليقظة.
ما حدث خلال الموسم الماضي كان كافياً لكي يدرك الجميع أن المنطقة يمكن أن تجد نفسها أمام كميات مائية استثنائية، وأن التعامل مع المياه لا يتوقف عند بوابة السد، بل يمتد إلى شبكة كاملة من الأودية والقنوات والطرق والجسور والمناطق المنخفضة والتجمعات السكانية.
وهنا تحديداً ينبغي أن يبدأ النقاش: هل أتممنا كل ما يمكن إتمامه قبل أن تعود الأمطار؟
السؤال ليس موجهاً إلى مؤسسة واحدة، ولا يعني التشكيك في الإجراءات التي اتخذتها السلطات أو المصالح التقنية. إنه سؤال دولة ومجتمع.
أسئلة لا تحتمل التأجيل
لأن إدارة المخاطر لا تعني انتظار اللحظة الحرجة ثم التدخل، وإنما البحث مسبقاً عن كل نقطة يمكن أن تتحول إلى مصدر للخطر.
ماذا عن مجاري المياه؟ ماذا عن القنوات والمنشآت التي يفترض أن تستوعب الصبيب المرتفع؟ ماذا عن الجسور والطرق الواقعة في المناطق الحساسة؟ ماذا عن المناطق التي توسع فيها العمران وأصبحت أكثر قرباً من مجاري المياه؟ وماذا عن تلك النقطة التي لا تحظى عادة بما يكفي من الاهتمام: السكان أنفسهم؟
ففي أي حالة طارئة، لا يكفي أن تكون المنشأة المائية في وضع جيد. يجب أن يكون المجتمع المحيط بها مستعداً أيضاً.
المواطن الذي يعيش في منطقة معرضة للخطر يجب أن يعرف، قبل أن تبدأ الأمطار، ماذا يعني الإنذار، ومن أين تصله المعلومة، وأين يتجه إذا طلب منه مغادرة مكانه، وما الطرق التي ينبغي تجنبها.
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة في الأيام العادية، لكنها في ساعة الخطر قد تصبح الفارق بين الاستجابة المنظمة والفوضى.
سلسلة العوامل التي تصنع الكارثة
لقد علمتنا الكوارث في أماكن مختلفة من العالم أن المشكلة لا تبدأ دائماً من المنشأة التي يخشاها الناس، وإنما من سلسلة من العوامل التي تتجمع في وقت واحد: ماء كثير، وقت قصير، منطقة منخفضة، طريق مغلق، جسر غير صالح للعبور، اتصال متعطل، ومواطن لا يعرف ماذا يفعل.
عندها تتحول الظاهرة الطبيعية إلى أزمة.
ومن هنا فإن الغرب المغربي يحتاج، قبل موسم الأمطار المقبل، إلى شيء أكثر من بيانات الطمأنة. يحتاج إلى اختبار حقيقي للجاهزية:
- اختبار تقني للمنشآت وشبكات التصريف
- اختبار ميداني لمسارات الإجلاء
- اختبار لوسائل الإنذار والتواصل
- اختبار لقدرة الجماعات والسلطات المحلية وفرق الإنقاذ على التحرك في وقت واحد إذا فرضت الظروف ذلك
لا ينبغي أن ننتظر الأمطار لكي نكتشف أن قناة تحتاج إلى تنظيف، أو طريقاً يحتاج إلى معالجة، أو منطقة سكنية تحتاج إلى خطة إجلاء.
الوقت المناسب لاكتشاف هذه الثغرات هو الآن. فالسماء لا تمنح الإدارات دائماً موعداً دقيقاً لما ستفعله.
متى تبدأ الكارثة فعلاً؟
وإذا كانت صور نيبال قد أعادت إلى الواجهة سؤال الماء، فإنها تذكرنا أيضاً بشيء آخر: الكارثة لا تبدأ عندما يرى الناس المياه أمام أعينهم.
قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما نعتقد أن السيناريو الأسوأ بعيد، وأن ما وقع في السابق لن يتكرر، وأن الاستثناء سيظل استثناءً إلى الأبد.
وهذه بالضبط هي العقلية التي ينبغي مقاومتها.
ليس المطلوب أن نتوقع الأسوأ دائماً، بل المطلوب أن نكون قادرين على مواجهته إذا وقع.
فالاستعداد لا يعني أن الكارثة قادمة، كما أن فحص السدود والقنوات والجسور لا يعني أنها ستنهار. بل يعني ببساطة أن الدولة تؤدي وظيفتها الطبيعية: تقليل المخاطر قبل أن تتحول إلى خسائر.
المواطن جزء من المعادلة
أما السكان، فعليهم أيضاً أن يكونوا جزءاً من هذه المعادلة.
لا يمكن أن تبقى ثقافة التعامل مع الفيضانات قائمة على متابعة الصور عبر الهاتف، ثم البحث عن المعلومة بعد أن ترتفع المياه.
يجب أن يعرف المواطن مسبقاً أين توجد المناطق الأكثر حساسية، وما مصدر التحذير الرسمي، وما الذي ينبغي فعله عند صدور إنذار، وأي طريق يجب تجنبه، وأين توجد نقاط التجمع الآمنة.
هذه ليست معلومات ترفية. إنها جزء من الأمن المدني.
أبعد من حدود السد
إن واد المخازن واللوكوس ليسا مجرد اسمين على الخريطة. وراءهما مدن وقرى وأراض فلاحية وطرق ومصالح اقتصادية وناس يعيشون حياتهم اليومية.
ولهذا فإن أي حديث عن المياه يجب أن يتجاوز حدود السد نفسه إلى المجال البشري المحيط به.
فالسد قد يكون آمناً، لكن الطريق قد لا يكون كذلك. والطريق قد يكون سالكاً، لكن جسراً قد يصبح نقطة اختناق. والجسر قد يصمد، لكن منطقة منخفضة قد تتعرض للغمر. والإنذار قد يصدر، لكن السؤال يبقى: هل وصل إلى الجميع في الوقت المناسب؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح الآن. لا بعد أول عاصفة، ولا بعد أول فيضان، ولا بعد أن تصبح فرق الإنقاذ في الميدان.
ما نستطيع ضمانه
ربما تكون أمطار الموسم المقبل عادية، وربما تكون غزيرة، وربما تأتي الظروف بأقل أو أكثر مما تتوقعه النماذج. لا أحد يستطيع أن يضمن للسماء سلوكها.
لكن ما نستطيع ضمانه هو مستوى استعدادنا: أن تراجع الجهات المختصة ما يمكن مراجعته، وأن تعالج ما يمكن معالجته، وأن تختبر ما يمكن اختباره، وأن تحدث الخرائط والخطط، وأن تضع السكان في قلب منظومة الوقاية، لا في نهايتها.
لأن الصور القادمة من نيبال لا تقول إن الكارثة ستصل إلى المغرب، ولا ينبغي لأحد أن يستخدمها لإثارة الذعر.
لكنها تقول شيئاً أبسط وأعمق: الطبيعة لا تمنح دائماً فرصة ثانية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق موسم الأمطار ليس: هل سيقع الأسوأ؟
بل: ماذا فعلنا حتى لا يصبح الأسوأ، إذا وقع، كارثة؟
ذلك هو ناقوس الخطر الحقيقي، وذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يصل اليوم، قبل المطر، إلى كل جهة مسؤولة عن سلامة الإنسان والمجال في الغرب المغربي.
فحين يبدأ الماء في البحث عن طريقه، يكون الوقت قد فات للبحث عن خطة.





