بين الفقر وبعد المدرسة.. أزيد من 290 ألف تلميذ يغادرون الفصول وسؤال الإصلاح يتجدد

زكرياء الروضي
في الوقت الذي تفتح فيه المدارس المغربية أبوابها لاستقبال ملايين الأطفال، يظل سؤال يؤرق بال الأسر والفاعلين التربويين: كم من مقعد سيبقى فارغاً هذا العام؟ كواليس الدخول المدرسي الجديد لا تعكس فقط شغف البدايات، بل تكشف عن صدمات متتالية تبدأ من الغلاء الفاحش للمستلزمات وتنتهي بنزيف صامت يلتهم مستقبلا كاملا لآلاف التلاميذ.
تتزاحم الأرقام الرسمية لترسم لوحة قاتمة عن واقع التسرب؛ أزيد من 294 ألف تلميذ وتلميذة غادروا مقاعد الدراسة خلال آخر حصيلة إحصائية رسمية لوزارة التربية الوطنية.
ورغم أن هذا الرقم ينطوي على تراجع بنسبة 12 بالمائة مقارنة بالموسم الذي قبله، إلا أن معدل الانقطاع الذي يقف عند 4.4 بالمائة على الصعيد الوطني يظل جرحاً غائراً في جسد المنظومة.
وتظهر البيانات أن السلك الثانوي الإعدادي يمثل “المقصلة” الحقيقية للمسار الدراسي؛ إذ يستحوذ لوحده على أكثر من نصف إجمالي المنقطعين (تتجاوز نسبته 50 بالمائة) بمعدل انقطاع يصل إلى 10.3 بالمائة.
يتحول الانتقال من الابتدائي إلى الإعدادي بالنسبة لأطفال الكثير من المناطق إلى جدار سميك يصعب اختراقه، لتتحول مرحلة المراهقة من بناء للمستقبل إلى خروج مبكر نحو المجهول.
الهامش القروي.. فاتورة الجغرافيا القاسية
لا يتوزع خطر الهدر المدرسي بالتساوي، إذ يتحمل الوسط القروي الهامشي النسبة الأكبر بـ 45.5 بالمائة من مجموع حالات الانقطاع. في قمم الجبال ودواوير العالم القروي، لا يبدو التعلم مجرد رغبة شخصية، بل معركة لوجستية يومية.
ويرى بعض الفاعلين الجمعويين في المجال القروي إن بُعد المؤسسات التعليمية بظروفها القاسية يفرض خيارات مريرة، فغياب النقل المدرسي المنظم، وعجز الطاقة الاستيعابية لدور الطالبة، يدفع الأسر القروية لترجيح خيار سحب أبنائها.
وتزداد هذه الفاتورة قسوة على الفتيات القاصرات اللواتي يجدن أنفسهن أمام خيارات أحلاها مر: إما زواج مبكر أو المكوث لتأدية الأعمال المنزلية.
صدمة الدخول الجديد.. غلاء المستلزمات والاكتظاظ
لا تتوقف المعاناة عند حدود السنة الماضية، بل تمتد لتلقي بظلالها على الدخول المدرسي الجديد، حيث تصطدم الأسر المغربية مع مطلع كل موسم بارتفاع مهول في أسعار الأدوات والمستلزمات المدرسية، مما ينزع الفرحة عن وجوه الآباء ذوي الدخل المحدود والمتوسط، ويجعل الدخول المدرسي كابوساً ماليا حقيقيا يهدد باستسلام مبكر لأسر عاجزة عن توفير المحفظة والكتب.
وعلى جانب آخر، تسببت الهجرة العكسية لآلاف التلاميذ من القطاع الخصوصي نحو القطاع العمومي — بسبب الضغط المالي — في خنق المؤسسات العمومية داخل الحواضر الكبرى، لتعود معضلة الاكتظاظ داخل الأقسام للواجهة، مجسدة تحديا إضافياً لأطر التدريس وضياعا لفرص التحصيل العلمي المتكافئ.
بين التدارك والإصلاح.. هل تنجح “مدارس الريادة”؟
أمام هذا الواقع الميداني المركب، تراهن وزارة التربية الوطنية على “خارطة الطريق 2022-2026” لإحداث القطع مع مسببات الفشل. ويبرز توسيع نموذج “مدارس الريادة” وإدخاله للسلك الإعدادي كأحد أهم الحلول المطروحة لتدارك التعثرات المكتسبة في الابتدائي عبر معالجة جذور ضعف التعلمات بطريقة.
وتتجه الرهانات نحو تقوية برامج الدعم الاجتماعي، بتوسيع أسطول النقل المدرسي والمطاعم، وتفعيل لجان “اليقظة” المحلية لمتابعة وضعية كل تلميذ مهدد بالمغادرة قبل فوات الأوان.
ويبقى السؤال المفتوح مع بداية هذا الموسم: هل تنجح خطط الإصلاح وبرامج الدعم المباشر في كبح نزيف الهدر المدرسي وتوفير بيئة تعليمية عادلة، أم أن إكراهات الواقع الاقتصادي والاجتماعي ستظل أقوى من الوعود الحكومية؟





