ميزانية الصحة ترتفع.. والانتظار مستمر: أين اختلت المعادلة؟

أميمة حدري 

بينما تتحدث الحكومة عن تحول غير مسبوق في ميزانية قطاع الصحة وعن أوراش واسعة لإعادة بناء المنظومة الصحية، لا يزال باب المستشفى العمومي يختزن أسئلة المواطن الأكثر إلحاحا: أين الطبيب؟ متى يحين الموعد؟ وهل يجد المريض العلاج عندما يحتاج إليه، أم أن رحلة البحث عن الرعاية تبدأ من طابور وتنتهي بانتظار آخر؟.

المعادلة تبدو، على الورق، واضحة. ميزانية قطاع الصحة والحماية الاجتماعية انتقلت من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم سنة 2026، وفق المعطيات التي قدمتها الحكومة، أي بأكثر من الضعف خلال خمس سنوات.

وبالتوازي مع ذلك، جرى تأهيل نحو 1400 مركز صحي أولي من الجيل الجديد، بميزانية بلغت 6.4 مليارات درهم، مع إطلاق مرحلة ثانية تستهدف إعادة تأهيل 1600 مركز إضافي بغلاف مالي يقارب 7 مليارات درهم.

وفي المستشفيات، تقول الحكومة إنها أنجزت 29 مشروعا استشفائيا جهويا بين سنتي 2022 و2025، أسهمت في إضافة 3168 سريرا، فيما جرى استكمال إنجاز 20 مستشفى جديدا خلال سنة 2026 بطاقة استيعابية تقارب 3067 سريرا، إلى جانب برمجة 15 مشروعا إضافيا بطاقة تناهز 1810 أسرة.

أرقام كبيرة، واستثمارات ثقيلة، وخريطة صحية يفترض أن تكون في طور إعادة البناء. لكن الصحة، في النهاية، لا تقاس فقط بما يرصد لها في قانون المالية، ولا بعدد المستشفيات التي تشيد، ولا بعدد المراكز التي ترمم.

الامتحان الحقيقي يبدأ لحظة يطرق المواطن باب المؤسسة الصحية، حاملا مرضه وقلقه وانتظاره. هناك، تصبح الأرقام أقل حضورا، ويصبح الطبيب هو الرقم الأهم، والموعد هو المؤشر الأكثر دلالة، وسرعة الاستجابة للحالات المستعجلة هي المعيار الذي لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

فالمواطن الذي يحتاج إلى فحص متخصص لا يستطيع أن يتعامل مع المرض بمنطق المشاريع المبرمجة. والمريض الذي ينتظر تشخيصا عاجلا لا تعنيه كثيرا قيمة الاستثمار إذا ظل الموعد بعيدا.

ومن يصل إلى المستعجلات لا يبحث عن حصيلة مالية، وإنما عن طبيب وتجهيزات واستجابة في الوقت المناسب.

وهنا تحديدا تظهر إحدى أكثر الحلقات حساسية في المنظومة الصحية: زمن الانتظار. فقد سبق لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن أعلنت تنظيم حملات طبية متخصصة للتخفيف من فترات انتظار المواعيد التي تتجاوز شهرين، وهو ما يكشف أن مشكلة الولوج إلى الفحوصات المتخصصة لم تكن مجرد انطباع عابر، بل ملفاً استدعى تدخلاً من الوزارة نفسها.

وإذا كان الاستثمار في البنيات التحتية يشكل شرطا أساسيا لإصلاح القطاع، فإن البناية وحدها لا تصنع مستشفى. المستشفى منظومة تبدأ بالبنية والتجهيز، لكنها لا تكتمل من دون موارد بشرية كافية، وتخصصات متاحة، وتنظيم فعال، ومواعيد في آجال تستجيب لحاجة المريض.

ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد الأطباء والممرضين الذين جرى توظيفهم أو تكوينهم، وإنما بكيفية توزيع الموارد البشرية، وبقدرة المؤسسات الصحية على توفير التخصصات المطلوبة في المكان والوقت المناسبين.

وحتى الهيكلة التنظيمية الجديدة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية تجعل من تدبير الموارد البشرية والتأهيل المهني والتخطيط للمناصب وحركية الموارد البشرية جزءا من صميم مسؤوليات القطاع.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما تحقق على مستوى توسيع العرض الصحي وإعادة تأهيل البنيات. فالحكومة تقدم هذه الأوراش باعتبارها جزءا من إصلاح هيكلي يهدف إلى إعادة بناء المنظومة الصحية واستعادة ثقة المواطن في المرفق العمومي. لكن المسافة بين إعلان الإصلاح ووصول أثره إلى المريض تظل هي المسافة الأكثر أهمية في تقييم أي سياسة عمومية.

ومن هنا تبدو العبارة التي أثارت جدلا واسعا، حين دعا وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي الشباب إلى القدوم إلى الرباط لعرض شكاياتهم، وكأنها تختصر مفارقة أكبر من مجرد تصريح. فإذا كان المواطن مضطرا إلى رفع شكواه إلى المركز حتى يسمع صوته، فإن السؤال يصبح مشروعا: ماذا عن المؤسسات الصحية الموجودة في الجهات والأقاليم؟ وهل الإصلاح الحقيقي هو أن تصل الشكاية إلى الرباط، أم أن تنخفض الحاجة إلى الشكوى من الأساس؟

شباب “جيل زد” التقطوا هذا المعنى بطريقتهم، وردوا بشعار “ما بغيناش كأس العالم، الصحة أولا”، في تعبير عن ترتيب مختلف للأولويات، يضع الخدمات الأساسية في مقدمة المطالب.

وبعيدا عن الشعارات، يبقى جوهر الرسالة بسيطا: المواطن يريد أن يشعر بأن الإصلاح الذي يسمع عنه في الأرقام وصل فعلا إلى سريره وموعده وطبيبه ومستشفاه.

المفارقة إذن ليست في أن الميزانية ارتفعت؛ فهذا معطى رسمي لا خلاف عليه. وليست في أن مشاريع استشفائية ومراكز صحية أنجزت أو توجد أخرى قيد البرمجة؛ فهذا أيضا تؤكده المعطيات الحكومية.

المفارقة تبدأ عندما تتسع أرقام الاستثمار بينما تظل تجربة المواطن داخل بعض المؤسسات الصحية محكومة بالانتظار والضغط والبحث عن الموارد والخدمات.

وهنا يصبح السؤال عن الحصيلة أكثر عمقا من مجرد جمع الأرقام. كم من الوقت يحتاج المريض للحصول على موعد؟ هل يجد التخصص الذي يحتاج إليه بالقرب منه؟ هل تعمل التجهيزات عندما يصل إليها؟ وهل تستطيع المنظومة الاستجابة بسرعة عندما يتحول المرض إلى حالة استعجالية؟

في السياسة، يمكن أن تكون الأرقام عنوانا للحصيلة، لكن في الصحة لا يمكن للأرقام وحدها أن تكون الحصيلة. فالمريض لا يغادر المستشفى وهو يحمل معه رقم الميزانية، وإنما يحمل نتيجة فحص أو وصفة علاج أو موعدا جديدا، وأحيانا يحمل معه تاريخا آخر للانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى