لقجع بـ”كل وضوح”: من حدود المسؤولية الحكومية إلى خلافات الأغلبية وهاجس القدرة الشرائية

مديحة المهادنة 

خبر_قبل أيام قليلة من بدء السنة البرلمانية والاجتماعية، ظهر فوزي لقجع، الوزير المنتدب لشؤون الميزانية وأحد أبرز قادة حزب الأصالة والمعاصرة، ظهورًا لافتًا. في مقطع فيديو بعنوان “بكل وضوح”، كسر لقجع الأعراف السائدة في التواصل الحكومي، مُقرًا صراحةً بمحدودية السياسات الداعمة للقوة الشرائية، وموضحًا بدقة مسؤولياته الوزارية، ومؤكدًا على حرية التعبير التي يعتزم الحفاظ عليها، مهما كان مستقبله السياسي.

اختار فوزي لقجع، الوزير المنتدب لشؤون الميزانية وأحد أبرز قادة حزب الأصالة والمعاصرة، الخروج عن أساليب التواصل التقليدية والتحدث بصراحة تامة، تحت شعار الوضوح.

في مقطع الفيديو الذي يحمل عنوان “بكل وضوح”، لم يكتفِ المسؤول الرفيع بتفصيل نطاق مهامه، بل قدم أيضًا تقييمًا صريحًا لمحدودية السياسات الحكومية، واعترف بإخفاقات واضحة، وأكد على استقلالية صوته التي يعتزم الحفاظ عليها، بغض النظر عن مستقبله السياسي.

من التكنوقراطية إلى الانخراط السياسي: حرية مكتسبة بشق الأنفس

بالنسبة لفوزي لقجع، لم ينبع دخوله معترك السياسة من تحول أيديولوجي أو طموح مفاجئ، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة مهنية امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا في أروقة الإدارة المغربية، إلى جانب مسؤوليات مالية ورياضية متعددة.

وبعيدًا عن كونه تخليًا عن الدقة الإدارية، تبدو له السياسة فضاء جديدا للحرية، وفرصة غير مسبوقة لتسخير خبرته في خدمة مشروع جماعي. فالهدف ليس التخلي عن التكنوقراطية، بل منحها

منصة أوسع، حيث تفسح القيود الإدارية المجال أمام القدرة على المبادرة والنقاش.

ويوضح لقجع أن ما دفعه إلى خوض العمل السياسي هو أن الحزب يمنحه مساحة أكبر من الحرية وإمكانية أوسع لتوظيف الخبرة التي راكمها خلال ثلاثين عاما.

وبصفته فاعلا إلى جانب زملائه في حزب الأصالة والمعاصرة وجميع الفاعلين السياسيين بمختلف ألوانهم واختياراتهم، يعتزم المساهمة في معالجة التحديات اليومية التي يواجهها المغاربة، والمشاركة، كما قال، في تحقيق “صعود” البلاد في إطار منظور تنموي اختاره المغرب منذ أكثر من عشرين سنة.

ويمنح هذا الانتقال، بحسب لقجع، فرصة للمساهمة بصورة أفقية في مناقشة السياسات العمومية وإعدادها وتنفيذها وإبداء الرأي بشأنها، بدل البقاء محصورًا في نطاق قانوني يمنح المسؤول التنفيذي صلاحيات محددة لا يمكن تجاوزها.

بالنسبة لفوزي لقجع… وزير الميزانية: جهة مُخوِّلة، لا مُنفِّذة

وأوضح فوزي لقجع في الفيديو الدور الدقيق للوزير المنتدب المكلف بالميزانية، حيث قدم شرحًا مفصلًا لنظام يجهله الكثيرون: صلاحياته محددة بدقة بموجب القانون، ويؤدي مهامه في الإطار الإداري لوزيرة الاقتصاد والمالية، ضمن العمل الحكومي الذي يتم تحت رئاسة رئيس الحكومة.

وتتمثل مسؤولياته في تدبير موارد الدولة، سواء من الضرائب المباشرة أو غير المباشرة، وتحديد الاعتمادات المخصصة لكل قطاع ضمن مشروع قانون المالية، وفق أولويات يتم نقاشها قبل بداية السنة، قبل تقديم المشروع إلى البرلمان للتداول والمصادقة عليه.

لكن نقطة التحول الحاسمة، التي يؤكد عليها بوضوح، تحدث بمجرد إقرار القانون؛ عند تلك اللحظة، تنتهي مسؤوليته، ومنذ ذلك الحين يصبح وزراء القطاعات مسؤولين عن تنفيذ النفقات، أي التنفيذ الفعلي للمشاريع.

فالطريق أو السد أو تأهيل مدينة أو بناء مستشفى أو مستوصف، بحسب توضيحه، يتم الاتفاق أولًا على الاعتماد المالي اللازم له، لكن بعد مصادقة البرلمان على قانون المالية يصبح الوزير الوصي على القطاع هو المسؤول عن صرف تلك الأموال وتحديد كيفية تنفيذ المشروع.

هذا التمييز، الذي غالبًا ما يتجاهله عامة الناس، ليس تهربًا من المسؤولية، بل تذكيرًا بقواعد العمل المؤسسي، وبأن القانون لا يسمح لأي وزير بممارسة صلاحيات تتجاوز المجال المحدد له، حتى وإن كان يتوفر على رأي أو تصور بشأن قطاع آخر.

عندما لا تكفي الأموال العامة لكبح جماح غلاء المعيشة

إن أبرز ما في هذا الفيديو هو بلا شك الاعتراف بالعجز الجزئي أمام ارتفاع الأسعار. فبينما خصصت الدولة والحكومة إمكانيات مالية للتخفيف من الضغط والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، لا سيما فيما يتعلق بأسعار اللحوم، أقر لقجع بأن هذه الإجراءات لم تحقق الأهداف التي رُصدت من أجلها.

وحرص على التأكيد أن هذا الموقف ليس وليد انتقاله إلى حزب سياسي، بل سبق له التعبير عنه داخل البرلمان، سواء أمام مجلس النواب أو مجلس المستشارين، وأنه ما زال متمسكًا بالتقييم نفسه.

وبحسب رأيه، فإن القطاع يحتاج إلى “تفكير عميق” وحلول موضوعية، بهدف واضح يتمثل في أن يعود المغربي إلى اقتناء اللحوم بالأسعار التي كان يعرفها قبل موجة الارتفاع.

وتكشف هذه النقطة أن توفير الأموال العمومية ليس غاية في حد ذاته، بل تبقى فعالية السياسة مرتبطة بمدى انعكاسها الفعلي على السعر الذي يؤديه المواطن في السوق.

الاعتراف بالأخطاء بدل الدفاع عنها

لقجع لم يتوقف عند القول إن بعض التدابير لم تحقق أهدافها، بل ذهب إلى الاعتراف بوجود أخطاء خلال التجربة الحكومية، معتبرًا أن “الاعتراف بالخطأ فضيلة”، وأن لكل مسؤول نصيبه من المسؤولية بحسب الصلاحيات التي كان يتولاها.

وبالنسبة إليه، فإن الضرورة اليوم لا تكمن في الدفاع عن تلك الأخطاء، بل في تصحيحها، وتوجيه الطاقة والجهد نحو القضايا التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وفي مقدمتها الغلاء والأسعار والقدرة الشرائية.

كما شدد على أن تغيير موقعه داخل المشهد السياسي لن يؤدي إلى تغيير مواقفه، مؤكدًا أن الموقف الذي عبّر عنه داخل البرلمان سيظل هو نفسه بعد انتقاله إلى العمل الحزبي.

خلافات داخل الأغلبية و”فاعل سياسي” أراد إبعاده عن المالية

لكن الجزء الأكثر حساسية في حديث لقجع جاء عندما انتقل من تقييم السياسات العمومية إلى كشف جانب من الخلافات التي عرفتها التجربة الحكومية.

فبحسب لقجع، لم يكن ملف الأسعار والقدرة الشرائية سوى واحد من مجموعة ملفات شهدت اختلافا في الرأي والمواقف، قبل أن تتراكم تلك الخلافات وتتعدد.

وقال إن عدم الإبقاء عليه داخل وزارة الاقتصاد والمالية تحول، وفق تعبيره، إلى “هدف استراتيجي لدى فاعل سياسي معين”، مضيفا أن الأمر وصل حتى إلى “القسم والحلوف”.

لقجع لم يسم الفاعل السياسي الذي يقصده، لكنه ربط ما حدث بوجود اختلاف حقيقي في المصالح والاختيارات، وليس فقط باختلاف تقني حول طريقة تدبير بعض الملفات.

ويؤكد لقجع أن هذا الاختلاف سيظل قائمًا كلما ابتعدت بعض الاختيارات والسياسات عن خدمة ما وصفه بالمصالح الحقيقية للمواطنات والمواطنين.

وبذلك، يقدم دخوله العمل السياسي ليس باعتباره مجرد تغيير في الموقع أو الانتماء، وإنما انتقالا من فضاء تنفيذي تحكمه صلاحيات قانونية صارمة إلى فضاء أوسع يسمح له بمناقشة السياسات العمومية والمشاركة في إعدادها والتعبير عن موقفه منها بشكل أكثر حرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى