الوساطة السياسية بالمغرب.. تقرير يقترح مسارا جديدا لإعادة بناء الثقة حتى 2035

أميمة حدري 

اقترح المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة مسارا وطنيا متعدد المراحل لإعادة بناء الوساطة السياسية بالمغرب خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2035، انطلاقا من إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات وربط ممارسة السلطة بمسؤوليات واضحة وقابلة للقياس، بدل الاكتفاء بإحداث مؤسسات أو إطلاق مبادرات متفرقة.

وركز التصور المقترح على أن استعادة الثقة لا ترتبط بما تقوله المؤسسات عن أدائها، بقدر ما ترتبط بقدرتها على الاستجابة للمواطنين، وتفسير قراراتها، وتصحيح الاختلالات عند وقوعها.

وفي هذا السياق، يدعو التقرير إلى تحويل توصيات الإصلاح إلى التزامات محددة تتضمن الجهة المسؤولة، والآجال الزمنية، ومؤشرات واضحة لقياس مستوى الإنجاز. واضعا في مقدمة أولوياته إرساء خريطة وطنية للمسؤوليات، من خلال إرفاق الاستراتيجيات والسياسات العمومية الكبرى ببيانات تحدد المرجعية الاستراتيجية، والجهة الحكومية أو المؤسسة المسؤولة، والجهات المنفذة، والميزانية، والآجال ومؤشرات النتائج.

واقترح أن تكون هذه المعطيات متاحة للبرلمان والإعلام والمواطنين، بما يسمح بتحديد مكامن التعثر، سواء تعلق الأمر بالتصميم أو التمويل أو التنسيق أو التنفيذ أو التقييم.

كما دعا التصور إلى تعزيز مسؤولية رئاسة الحكومة في تقديم حصيلة سنوية لتنفيذ البرنامج الحكومي والاستراتيجيات الكبرى، على أن لا تقتصر هذه الحصيلة على عرض ما تحقق، وإنما تشمل أيضا الالتزامات التي لم تنفذ، وأسباب التأخر، والقرارات التي جرى تعديلها، والمسؤوليات المؤسساتية المرتبطة بذلك.

وفي ما يتعلق بالأحزاب السياسية، اقتراح التقرير إعادة النظر في الوظيفة الديمقراطية التي تؤديها، وربط جزء من التمويل العمومي بجودة أدائها في مجالات التكوين وإنتاج السياسات وتعزيز الديمقراطية الداخلية، إلى جانب نتائجها الانتخابية. مشددا على أهمية نشر معطيات تتعلق بطرق اختيار القيادات والمرشحين، وتكوين الأعضاء، وحضور الشباب والنساء في مواقع القرار، والموارد المخصصة لإعداد البرامج والسياسات.

وطرح المركز إنشاء وحدات دائمة داخل الأحزاب تعنى بتحليل السياسات وتقييمها، بمشاركة الخبراء والباحثين والشباب والأعضاء المنتخبين، على أن تنتج هذه الوحدات أوراقا ودراسات بصورة منتظمة، بما يساهم في تحويل العمل الحزبي من منطق الاستعداد للمواعيد الانتخابية إلى إنتاج مستمر للبدائل والسياسات.

ولا يرى التقرير أن معالجة أزمة الوساطة تقتضي بالضرورة تقليص عدد الأحزاب عبر عمليات اندماج مفروضة، بل يقترح تشجيع التقارب والاندماج الطوعي على أساس البرامج والمرجعيات، مع رفع كلفة استمرار التنظيمات التي تفتقر إلى حضور مجتمعي وإنتاج سياسي فعلي.

وفي الجانب الحكومي، أكد التقرير ضرورة إخضاع جميع أعضاء السلطة التنفيذية، سواء كانوا منتمين إلى أحزاب سياسية أو معينين بصفتهم التكنوقراطية، للمعايير نفسها في ما يتعلق بالشفافية والاستجابة للبرلمان ونشر مؤشرات الأداء.

كما يدعو إلى تعزيز الرقابة البرلمانية عبر نشر معدلات استجابة القطاعات الحكومية للأسئلة الكتابية والشفوية، ورصد آجال الإجابة ومآل توصيات اللجان ومهام الاستطلاع.

وشدد التصور على ضرورة الانتقال من قياس أداء السياسات العمومية عبر حجم الميزانيات والمشاريع المنجزة إلى قياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين، مع تحميل رئيس الحكومة مسؤولية سياسية واضحة عن أداء مختلف مكونات حكومته، بما فيها القطاعات التي يتولاها وزراء مستقلون حزبيا.

وفي مجال التواصل العمومي، اقترحت الوثيقة وضع بروتوكول وطني ملزم للتواصل خلال الأزمات، يحدد الجهة المخولة بالتحدث، ومسار التحقق من المعلومات، ووتيرة تحديث المعطيات، وآليات تصحيح الأخبار غير الدقيقة، إلى جانب ضمان التنسيق بين مختلف المؤسسات والقطاعات المعنية.

واعتبر التقرير أن الساعات الأولى من الأزمات تشكل مرحلة حاسمة في بناء الثقة، داعيا إلى إصدار بلاغ أولي يميز بين المعطيات المؤكدة وتلك التي لا تزال قيد التحقق، مع توفير منصة موحدة يتم تحديثها بشكل مستمر. معتبرا إخضاع الأزمات الكبرى لمراجعة مؤسساتية لاحقة ترصد مكامن الخلل والدروس المستخلصة والإجراءات التصحيحية.

وفي ما يتعلق بالمشاركة المواطنة، اقترح المركز سالف الذكر إنشاء بوابة وطنية موحدة تجمع العرائض والملتمسات التشريعية والمشاورات العمومية وتقييم الخدمات، مع منح كل مقترح رقما للتتبع يتيح لصاحبه معرفة الجهة المكلفة بدراسته والمرحلة التي بلغها والأجل المحدد للرد عليه، مع نشر ردود معللة سواء بالقبول أو الرفض أو الإحالة.

كما يقترح إطلاق مجالس مواطنين تجريبية على المستويين الوطني والجهوي لمناقشة قضايا محددة، من قبيل التعليم والصحة والتحول الرقمي وسياسات الشباب، مع ضمان تنوع المشاركين وإتاحة المعطيات والخبرات اللازمة أمامهم، ثم إحالة توصياتهم على الحكومة والبرلمان للرد عليها بشكل علني.

ووضعت الوثيقة الشباب في صلب مسار إعادة بناء الوساطة، معتبرا أن إدماجهم لا ينبغي أن يقتصر على الاستشارات الموسمية أو الحضور الرمزي داخل المؤسسات. ويقترح في هذا السياق مجالس شبابية جهوية وبرامج زمالة داخل البرلمان والحكومة والجماعات، إلى جانب مختبرات للسياسات تجمع الشباب والجامعات ومراكز التفكير.

كما يدعو إلى تطوير آليات مؤسساتية لاستقبال المطالب التي تنشأ عبر المنصات الرقمية وتحويلها إلى مقترحات قابلة للنقاش داخل المؤسسات، بما يسمح بفتح قنوات بين التعبئة الاجتماعية والعمل المؤسساتي، دون منح الحملات الرقمية تلقائياً صفة التمثيل السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى