وعود التقدم والاشتراكية في البرنامج الانتخابي في السكنى.. عندما يُعاد تدوير الخيبات بالأرقام

زكرياء الروضي
مرة أخرى، يخرج حزب التقدم والاشتراكية على المغاربة ببرنامج سياسي مُتأنّق ومُتخم بالأرقام والرنّات الشعاراتية حول “العدالة المجالية” و”الحد من الفوارق الترابية”.
ورقةٌ تضمّنت ضخ 33 مليار درهم، وعوداً بإنهاء برنامج “مدن بدون صفيح”، وتقليص العجز السكني، وضبط سوق العقار.
غير أن هذه “الاستعراضية الرقمية” تصطدم مباشرةً بحقيقة تاريخية لا تقبل القفز، لقد ظلّ قطاع السكنى والتعمير وسياسة المدينة حصرياً تحت تدبير هذا الحزب لسنوات طويلة، والنتيجة التي جناها الشارع المغربي لم تكن سوى التعثر والاختلال الميداني.
من يقرأ وثيقة الحزب الحالية يُخيَّل إليه أن الواقفين خلف صياغتها يشخصون وضعاً في بلد آخر، أو أنهم يسعون لمعالجة تركة قطاع أدارته أحزاب أخرى؛ في حين أن الواقع يؤكد أن الحزب أدلى بدلوه كاملاً في هندسة هذا القطاع وتدبيره عبر أمينه العام نبيل بنعبد الله ووزرائه المتعاقبين.
سنواتٌ طويلة شهدت وعوداً مماثلة بالقضاء على دور الصفيح وتحديث المدن، لكن النتائج ظلت متواضعة، واستمرت “الكاريانات” والبنايات الآيلة للسقوط والتهميش شاهداً على عجز السياسات المتبعة وتواضع المنجز الميداني.
إن أقصى مظاهر هذه المفارقة تتجلى في محاولة تقديم “جيل جديد من التخطيط الاستراتيجي”، بينما الانطباع المسجل عن الحقبة التدبيرية للحزب اقترن بتباطؤ المشاريع وغياب الأثر الملموس على عيش المواطن بسيط الإمكانيات.
ولم تكن المحطة التقييمية الأكثر قسوة في مسار إدارة الحزب للقطاع تنمويةً فحسب، بل تمثلت في القرار الملكي الحاسم سنة 2017 بإعفاء الأمين العام للحزب نبيل بن عبد الله من مهامه الوزارية على خلفية الاختلالات والتقصير الذي طال إنجاز برنامج “الحسيمة منار المتوسط”، وهو الملف الذي عكس حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة على التنفيذ.
اليوم، تعود الوثائق السياسية للحزب لتستعرض أهدافاً سقفها تقليص العجز السكني وتعبئة الشقق الشاغرة وفرض الضرائب على العقار المهمل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذه الوعود الاستعراضية: كيف لمن أتيحت له فرصة التخطيط والتدبير والتنفيذ لسنوات متواصلة وخرج بحصيلة مطعونة بالتأخير والإعفاءات، أن يقدم اليوم نفسه كمنقذ قادر على إنجاز ما عجز عن تحقيق سابقاً؟
إن الرهان على ذاكرة قصيرة للمواطن لم يعد ينطلي أمام شواهد الواقع؛ فالتعمير والسكن ليسا مجرد جداول مالية وأرقام تُصاغ في المكاتب المغلقة، بل هما أثرٌ ملموس في الواقع اليومي للأسر. وحين تتكرر الوعود بذات النبرة الرنانة ومن نفس الجهة التي فشلت في تجسيدها سابقاً، ينقلب المشهد من طرح تنموي إلى مجرد تمرين في البلاغة السياسية.





