بين الوعود البراقة وواقع العطش.. حين تصطدم “البرامج الوردية” بمرارة التجربة

زكرياء الروضي

تستوقفك الأرقام الفلكية والمصطلحات الرنانة في الوثائق السياسية للعديد من الأحزاب الوطنية، حيث تجد خططا “منقوشة بماء الذهب” تعد بالعدالة المناخية، والتخطيط الإيكولوجي، والأمن المائي المستدام في أفق سنوات قادمة.

غير أن الذاكرة الجماعية للشارع المغربي لا تقتات على الحبر البراق على الورق، بل تحتكم إلى الواقع الميداني وما خلفته التجربة الفعلية حين وضعت تلك المقاربات السياسية على محك الممارسة الحكومية.

تعيد هذه التراكمات النظرية فتح ملف تدبير قطاع الماء بالمغرب، وخصوصاً المرحلة التي تولت فيها شرفات أفيلال، القيادية في حزب التقدم والاشتراكية، مسؤولية القطاع عبر كتابة الدولة المكلفة بالماء.

ورغم التدفق المعرفي والمصطلحات الحديثة التي صاحبت تلك الحقبة، يسجل متابعون ومحللون للشأن العام أن النتيجة الميدانية انطوت على تعثرات واضحة وعجز عن بلورة استراتيجية استباقية تقي البلاد من تبعات الشح المائي والجفاف الشديد.

هوة شاسعة بين الخطاب والتطبيق

لا شك أن إدراج مفاهيم التخطيط الإيكولوجي يمنح الخطاب السياسي بريقاً حداثياً؛ إلا أن الفجوة تبقى شاسعة عندما يُقارَن المنطوق بالواقع:

وخلال الأوقات التي كانت تستدعي الحسم والتسريع في إنجاز السدود الكبرى ومحطات تحلية مياه البحر وتجميع مياه الأمطار، اكتفى القطاع بالحلول الترقيعية والتدبير اليومي للأزمات، ما جعل البلاد تواجه سنوات الإجهاد المائي الأخير دون إستراتيجية صلبة.

وتحول التخطيط المائي في تلك الفترة إلى أدبيات وتقارير قطاعية غرق معها التدبير في متاهات المساطر الإدارية، ما أخر إنجاز مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة وتحديث شبكات النقل والتقليص من نسبة الهدر المائي.

وفي الوقت الذي صاغت فيه الأدبيات الحزبية مفاهيم “العدالة المجالية”، كان الواقع في الهوامش القروية والمناطق النائية يروي قصة مختلفة تعكسها مسيرات البحث عن قطرة ماء واستمرار ظاهرة “عطش الدواوير”، وهي مظاهر كشفت قصر يد السياسات المتبعة عن ملامسة الاحتياجات اليومية للمواطن البسيط.

من الإعفاء الحكومي إلى أزمة الهيكلة

تتجلى إحدى أبرز محطات هذا العجز الإداري والتنظيمي في القرار الملكي الصادر سنة 2018 بالقضاء على كتابة الدولة المكلفة بالماء وإلغاء هذه الكتابة الحكومية وتجميع اختصاصاتها ضمن وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك والماء. وهو القرار الذي جاء حسب البلاغ الرسمي حينها لرفع نجاعة الحكامة المائية وتجاوز الصراعات الداخلية والبطء الذي شاب تدبير هذا القطاع الحيوى.

وشكّل ذلك الهدم التنظيمي لكتابة الدولة كتابة النهاية لتجربة تدبيرية لم تفلح في تقديم الإضافة المرجوة، وأكدت أن الأزمة لم تكن تكمن في قلة المخططات أو غياب النصوص الإرشادية، بل في ضعف الفاعلية والقدرة على الإنجاز، وغياب الرؤية الميدانية الشاملة التي تجعل من الماء مادة حيوية تُحمى بالتنفيذ لا بالشعارات.

وأمام توالي سنوات الجفاف الصعبة وتزايد الضغط على الموارد الحيوية، يصبح التحدي الحقيقي لكل القوى السياسية هو الخروج من برج المخططات النظرية والأرقام التخمينية. فالمواطن المغربي لم يعد يبحث عن وعود التنمية الأخضراء في كتابات، بل ينتظر مشاريع ملموسة تُنجز على الأرض، ومحطات تحلية تُبنى في وقتها، وسدوداً تُشيد بفعالية لتأمين حق الأجيال الحالية والقادمة في الماء والعيش الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى