التقط صورة مع مسؤول مهم في الدولة، ثم اقنع الناس أنك على صلة وثيقة به، أو اكذب على رجل سلطة فاسد، أو وزير متربح، موهما إياه بانك قريب لأحد رجالات الدولة النافذين، أو قدم بعض التصريحات التافهة المليئة بالإنشاء اللفظي الفارغ لبعض المنابر الأكثر فراغا، ثم أنشر الزعم بأنك ذو تأثير من شأنه أن يجعل من النحل يزحف، والسلاحف تطير، ومن البرق ورودا تارة، ومن أغصان أشجار شارع النصر أفاع لاذغات، تارات أخرى.
هذه الصفات الكاريكاتوريات هي للأسف صارت في بلادنا وصفات للنجاح، ويا للعجب، حيث لا يتورع بعض شذاذ الآفاق عن الاعتماد عليها لتسهيل عملية التسلق السريع، بالرغم من عدم استناد معظمهم على تدرج أكاديمي كافي لكي يتبوأوا المقاعد ويستلموا الميكروفونات، بل غن كثيرا منهم لم يتجاوز تعليمه بالكاد الباكالوريا، ومع ذلك لا يجد غضاضة في الزعم بانه خبير في الاقتصاد والسياسة والشؤون الاستراتيجية، ناهيك عمن تلقى تكوينا في الرياضيات أو الفيزياء ثم ملا الدنيا ضجيجا بالزعم أنه باحث ومحلل سياسي واستراتيجي، أو حتى أستاذ جامعي.
الغريب في الأمر أن أفراد تلك الحفنة من النكرات باتت لديهم عقود مدفوعة مع التلفزيونات الرسمية، وفي برامج المؤسسات العمومية، بل ومنهم حتى من يشغلون مناصب الاستشارة في دواوين الوزراء، فضلا عن إمساك بعضهم لصنابير ضخ مواقع الكترونية وإذاعات معروفة في البلاد، مع ما يستدعيه ذلك من تجنيد للنكرات الذين لا يحسنون قولا وصنعا، ومنحهم صلاحية تقديم البرامج، والكل يهزأ من فشلهم حتى في قراءة ما يكتب لهم.
أليس من السخرية ان يكون هؤلاء الجهلة النكرات خبراء، وفي نفس الوقت يكون الأساتذة عبد الله العروي ومحمد الطوزي وحسن رشيق وعبد الله ساعف ومحمد بنونة امحمد المالكي، وغيرهم من كوكبة الخبراء الحقيقيين المشهود لهم دوليا وكونيا ووطنيا بكونهم كذلك؟. إنها لسخرية الأقدار والمواقف أن يعطى للمتسلقين الجهلاء قصب السبق، ويُستمع إليهم، إلا إذا كان من يسمح لهم بذلك يحتاج إلا خبراء في الكذب والزعم والتسلق و”التسنطيح”، وكان هو فاسدا بالقدر الكافي لكي يخشى من ألسنتهم وتحريضهم، أو يريد فاسدين لكي يقاسمهم الغنائم، لأن الشرفاء لن يقبلوا بالأساليب والحلي الملتوية، حينئذ ليس مهما ما يقوله هؤلاء الخبراء، حتى لو كان مجرد كلام ممجوج مكرور، وأسطوانات مشروخة سمجة مليئة بالاستمناءات المقيتة.
الخبير يا سادة هو من مارس مهنة معينة خلال قدر معقول من السنوات، لكن الأهم هو ان يكون قد تميز ونجح في هذه المهنة، ما يجعله فعلا يستحق لقب خبير مجرب متمرس، لكن الأهم من كل هذا هو ان يمتلك القدرة على التفكير النظري المستند إلى الدراسة والإلمام بتجارب الآخرين السابقين والمجايلين له، ثم ان يكون قادرا على تدورين خبرته تلك في الكتب والدراسات المنشورة في المجلات المتخصصة في مجال خبرته، قبل ان يسمح لنفسه بالحديث في وسائل الإعلام والحديث في مجال خبرته، فبالله عليكم هؤلاء “الخبراء” (مع حذف الباء)، في أي مجال مهني تمرسوا ثم كتبوا وفي أي مجلات محترمة نشروا أراقهم ومع أي مراكز محترمة تعاملوا في مجال خبرتهم؟، وأي خبرة هذه تسمح لصاحبها بان يتحدث في كل شيء من التعليم والاقتصاد والإدارة ومكافحة الإرهاب والفيزياء والنووي الإيراني إلى تربية الأطفال والأدب والشعر وفنون إعداد الحلوى؟.
نعم من حق أي كان أن يدلي بدوله في أي شي، لكن ليقل انه مواطن يقول رأيه، أو لديه وجهة نظر استقاها من قراءة بعض النصوص، كما يفعل على الأقل الأستاذ الطوزي، حينما تسأله الصحافة عن طبيعة مشاركته في صياغة برامج ضخمة من قبيل تقرير الخمسينية وصياغة الدستور والنموذج التنموي الجديد، فيجيب انه يشارك بصفته مواطن يقدم وجهة نظر، وهو من هو؟، وفي الوقت نفسه يصر الجهلة على الادعاء ثم الادعاء، ويصر من يقدمهم ويدعمهم على جعل الحمير للسباق والخيول للحرث، ولهذا نجد أنفسنا دائما غير قادرين على أن نربح سباقا ولا أن نجني محصولا مثمرا نافعا.