أدوات الذكاء الاصطناعي تغري الطلبة وتقلق الباحثين في العلوم الاجتماعية

نجوى القاسمي

رغم الزخم العالمي المتزايد حول استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، تكشف دراسة حديثة نُشرت في العدد الأخير من المجلة المغربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، عن استمرار حالة من التردد بين الباحثين المغاربة في العلوم الاجتماعية في تبني هذه الأدوات بشكل دائم ومتكامل.

الدراسة التي أنجزها كل من ياسين بوشوار من جامعة محمد الخامس، وخديجة بوفوس من المعهد العالي للإعلام والاتصال، كشفت عن مفارقة لافتة: فرغم الإقبال الملحوظ على أدوات الذكاء الاصطناعي المجانية، خصوصا في المراحل الأولى من إنجاز الأبحاث  كمرحلة توليد الأفكار، وجمع المعطيات، والتنقيح، والترجمة  فإن هذا الاستخدام لا يزال غير مؤسس على قاعدة دائمة ومستقرة في الأوساط الأكاديمية.

ويُعزى هذا الحذر، بحسب الدراسة، إلى مجموعة من العوامل المترابطة، في مقدمتها الفجوة المعرفية المتعلقة بمهارات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ضعف فعالية الأدوات المجانية المتاحة، والتي رغم سهولة استخدامها، تبقى محدودة في أدائها ولا تواكب تطلعات الباحثين، مقارنة بالأدوات المدفوعة.

كما سلّط البحث الضوء على أثر الخبرة الأكاديمية في مستوى التبني؛ إذ يُسجل تراجع ملحوظ في استخدام الباحثين من ذوي الخبرة الطويلة، خاصة في مرحلة الدكتوراه، لهذه الأدوات، بسبب ما يعتبرونه مخاطر تتعلق بـالخصوصية والنزاهة الأكاديمية والاستقلالية والشفافية.

الهوية الأكاديمية في مواجهة التقنية

أحد الجوانب المثيرة التي أبرزتها الدراسة، هو التخوف الواسع من أن يؤدي الاستخدام المفرط أو غير المعلن لأدوات الذكاء الاصطناعي إلى تشويه صورة الباحث أو المساس بمصداقيته العلمية. أكثر من 84.2% من المشاركين في الدراسة شددوا على أهمية الإشارة الواضحة إلى استخدام هذه الأدوات في الهوامش أو ضمن ملاحق الأبحاث، تفاديا لأي لبس قد يطعن في النزاهة العلمية للعمل.

وتعكس هذه الأرقام، حسب معدّي الدراسة، حالة من التردد والارتباك الأكاديمي في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، إذ لا يزال يُنظر إليه كعنصر “مساعد” لا ينبغي أن يحل محل الباحث، خصوصا في العلوم التي تتطلب عملا نقديا وتأويليا معقدا مثل العلوم الاجتماعية.

غياب إطار مؤسساتي وتأخر بيداغوجي

ورغم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الأكاديمي عالميا ، فإن الدراسة تُقر بأن البيئة المغربية لا تزال متأخرة من الناحية اللوجيستية والبيداغوجية فيما يخص دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي. ويُرجع الباحثان ذلك إلى غياب إطار وطني منظم يرشد الباحثين لاستعمال هذه الأدوات بطريقة أخلاقية وفعالة.

كما يُظهر تحليل نتائج الدراسة أن طلبة الماستر هم الفئة الأكثر تفاعلا مع هذه الأدوات، إذ يرون فيها دعما عمليا في مراحل الإنتاج الأولية، مقابل موقف أكثر تحفظا من طرف الباحثين المتمرسين، الذين يخشون أن تتحول هذه الأدوات إلى طوق يهدد الاستقلالية الفكرية للباحث، أو يُفرغ العملية البحثية من مضمونها الإبداعي.

بين التخوفات الأخلاقية، وضعف البنية التحتية، وغياب التأطير المؤسساتي، يبدو أن الطريق لا يزال طويلا أمام دمج الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي في المغرب، خصوصا في العلوم الاجتماعية. غير أن التحدي الحقيقي، كما توحي به نتائج هذه الدراسة، لا يكمن في رفض التقنية، بل في الحاجة إلى رؤية واضحة، وتكوين مستمر، وأدوات ملائمة تُمكن الباحث من استثمار الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد هويته الأكاديمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى