ماذا يعني الربط الكهربائي مع البرتغال لأمن المغرب الطاقي؟

أميمة حدري 

يعود مشروع الربط الكهربائي المباشر بين المغرب والبرتغال إلى واجهة النقاش الطاقي، في وقت تسعى فيه المملكة إلى تنويع منافذها نحو السوق الأوروبية وتعزيز قدرتها على مواجهة ارتفاع الطلب على الكهرباء، بما يجعل المشروع المرتقب جزءا من تصور أوسع لأمن الإمدادات وتطوير موقع المغرب داخل منظومة الطاقة الإقليمية.

ويستهدف المشروع، الذي ظل متوقفا منذ سنة 2022، إنشاء ربط كهربائي بحري مباشر بين البلدين بقدرة تصل إلى 1000 ميغاواط، وفق ما أعلنته وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة.

وعاد الملف إلى الواجهة عقب اجتماع وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي بنظيرتها البرتغالية ماريا دا غراسا كارفاليو في لشبونة يوم 20 يوليوز الماضي، حيث اتفق الجانبان على إعادة إطلاق المشروع والعمل على تعبئة التمويلات الضرورية له من الاتحاد الأوروبي والقطاع الخاص.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، باعتبار أن الربط الكهربائي مع أوروبا يعتمد حاليا على إسبانيا، التي يرتبط معها بخطين بحريين بجهد 400 كيلوفولت، دخل الأول الخدمة سنة 1997 والثاني سنة 2006، بطاقة تقنية تبلغ 700 ميغاواط لكل خط.

ومن شأن إقامة رابط مباشر مع البرتغال أن تضيف منفذا جديدا إلى الشبكة الأوروبية، وتوفر للمغرب هامشا أوسع في تدبير وارداته وصادراته الكهربائية.

ولا تقتصر أهمية المشروع على فتح مسار جغرافي جديد، إذ إن الخط المرتقب سيكون ثنائي الاتجاه، بما يسمح بتدفق الكهرباء في الاتجاهين بحسب حاجات كل سوق.

وبذلك يمكن للمغرب اللجوء إلى السوق الإيبيرية عند ارتفاع الطلب أو تراجع الإنتاج المحلي، في حين يمكنه تصدير الكهرباء عندما تتوفر لديه كميات فائضة، ولا سيما مع التوسع المرتقب في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية.

ويأتي هذا الرهان في سياق يشهد فيه المغرب ارتفاعا متواصلا في الطلب على الكهرباء. فقد بلغ الاستهلاك الوطني خلال سنة 2025 نحو 49 تيراواط/ساعة، بزيادة بلغت 7,4 في المائة، فيما سجلت ذروة الطلب 7990 ميغاواط، قبل أن ترتفع إلى مستوى قياسي جديد بلغ 8400 ميغاواط في يوليوز 2026. وبلغت القدرة الكهربائية المركبة 12314 ميغاواط، شكلت الطاقات المتجددة 46,1 في المائة منها.

ورغم تنامي مساهمة الطاقات المتجددة في القدرة المركبة، لا يزال الفحم يحتفظ بحصة كبيرة من إنتاج الكهرباء الفعلي، إذ بلغت مساهمته نحو 61,5 في المائة خلال سنة 2025، مقابل 16 في المائة للرياح و10,9 في المائة للغاز و5,8 في المائة للطاقة الشمسية.

وتبرز أهمية تنويع الربط الخارجي بشكل أكبر عند استحضار أزمة انقطاع الكهرباء التي ضربت إسبانيا والبرتغال في 28 أبريل 2025، والتي أظهرت الدور الذي يمكن أن تؤديه الروابط الكهربائية العابرة للحدود في حالات الطوارئ.

وخلال تلك الأزمة، عكس المغرب اتجاه تدفق الكهرباء نحو إسبانيا، بعدما طلبت شركة الكهرباء الإسبانية “Red Eléctrica” دعما من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، في خطوة أظهرت إمكانية توظيف الربط الكهربائي ليس فقط في المبادلات التجارية، وإنما أيضا في دعم استقرار الشبكات خلال فترات الضغط.

ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء خط مباشر مع البرتغال لا يعني التخلي عن الربط القائم مع إسبانيا، بل يندرج ضمن توجه يرمي إلى توسيع شبكة الروابط الخارجية للمغرب وتقليص مخاطر الاعتماد على مسار واحد.

كما أن وجود أكثر من منفذ نحو السوق الأوروبية يمنح المملكة مرونة أكبر في اختيار مصادر الإمداد والأسواق المستقبلة لفوائض الإنتاج، بحسب تطورات الطلب والأسعار والقدرات المتاحة.

ويواجه المشروع، في المقابل، تحديات مالية وتقنية قبل دخوله مرحلة التنفيذ. فقد قدرت كلفته سنة 2018 بنحو 800 مليون يورو، غير أن ارتفاع أسعار المعدات والأشغال يجعل هذه التقديرات بحاجة إلى مراجعة، في وقت يتعين فيه تحديث الدراسات التقنية والمالية والحسم في المسار النهائي للكابل البحري.

كما يسعى المغرب والبرتغال إلى منح المشروع صفة “مشروع ذي مصلحة أوروبية”، بما قد يتيح الاستفادة من التمويل الأوروبي واستقطاب استثمارات خاصة.

ويتقاطع المشروع كذلك مع الطموح المغربي لتعزيز موقع المملكة في سوق الطاقة الأوروبية، مستفيدا من توسع الاستثمارات في الطاقة الشمسية والريحية ومن موقعه الجغرافي بين أوروبا وإفريقيا.

وفي حال تطوير قدرات إنتاجية تفوق حاجات السوق الوطنية في فترات معينة، يمكن لشبكات الربط أن تتحول إلى قناة لتصريف الفائض نحو الأسواق الأوروبية، بما يرفع القيمة الاقتصادية للاستثمارات في الطاقات المتجددة.

وفي المقابل، يظل الربط الكهربائي جزءا من منظومة متكاملة لأمن الطاقة، ولا يمكن أن يعوض الحاجة إلى رفع الإنتاج الوطني وتطوير التخزين وتقوية الشبكة الداخلية.

كما أن المشروع لا يزال في مرحلة إعادة الإحياء والدراسات والبحث عن التمويل، وبالتالي لا يمكن اعتبار قدرته المستهدفة أو موعد دخوله الخدمة أمرا محسوما قبل استكمال المساطر التقنية والمالية والتنفيذية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى