هل تنجح حكومة ما بعد 23 شتنبر في التوفيق بين أوراش المونديال وانتظارات المغاربة؟

أميمة حدري
تدخل الحكومة التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر المقبلة ولايتها في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، لن تجد فيه صفحة بيضاء تشرع منها في وضع أولوياتها، بل ستجد أمامها أوراشا استثمارية كبرى مرتبطة باستعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، إلى جانب ملفات اجتماعية ضاغطة تتعلق بالتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وتتزامن الولاية الحكومية المقبلة مع مرحلة حاسمة من تنفيذ عدد من المشاريع المرتبطة بموعد 2030، بعدما تحولت الاستعدادات للمونديال إلى رافعة لتسريع أوراش تمتد من الملاعب والمنشآت الرياضية إلى السكك الحديدية والطرق السيارة والمطارات والموانئ والبنيات الحضرية واللوجستيكية.
وفي القطاع الرياضي، يستمر تنفيذ برنامج تأهيل ستة ملاعب بكل من طنجة والدار البيضاء والرباط وأكادير ومراكش وفاس، إلى جانب مشروع ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، في وقت دخلت فيه بعض الأوراش مراحل متقدمة استعدادا للاستحقاقات الرياضية المقبلة.
كما أطلق خلال غشت 2026 طلب عروض لإعادة تأهيل المركب الرياضي بفاس بقيمة تناهز 2.816 مليار درهم، بينما يرتقب أن يصبح ملعب الحسن الثاني ببنسليمان جاهزاً في دجنبر 2027.
ولا تتوقف رهانات 2030 عند الملاعب، إذ يشكل النقل السككي أحد أكبر الأوراش الاستثمارية التي سترافق الحكومة المقبلة، من خلال برنامج للمكتب الوطني للسكك الحديدية في أفق 2030 تصل قيمته إلى نحو 96 مليار درهم، يهم تمديد الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش وتطوير النقل السككي الجهوي، واقتناء قطارات جديدة، إلى جانب بناء وتأهيل المحطات والمحافظة على فعالية الشبكة.
وفي موازاة ذلك، تتواصل مشاريع الطرق السيارة، من بينها الطريق السيار القاري الرباط-الدار البيضاء، والطريق السيار تيط مليل-برشيد، والطريق السيار جرسيف-الناظور، بما يجعل البنية التحتية للنقل واحدة من أبرز الملفات التي ستجدها الحكومة المقبلة على طاولتها منذ الأيام الأولى لولايتها.
كما ستدخل مشاريع مينائية استراتيجية مراحل حاسمة، وفي مقدمتها مركب الناظور غرب المتوسط، المرتقب إطلاقه التشغيلي خلال الربع الأخير من 2026، بعدما بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المستقطبة للمشروع نحو 51 مليار درهم.
وفي الجنوب، تتواصل أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، الذي تتجاوز كلفته 13 مليار درهم، بينما يستمر الاستثمار في المنظومة اللوجستيكية من خلال مشاريع تستهدف تطوير مناطق ومنصات لوجستيكية جديدة، في وقت تراهن فيه المملكة على تعزيز موقعها كبوابة تجارية ولوجستيكية نحو القارة الإفريقية.
ولا يقل قطاع النقل الجوي أهمية في أجندة الحكومة المقبلة، إذ يتضمن الاتفاق بين الدولة والمكتب الوطني للمطارات للفترة الممتدة من 2025 إلى 2030 استثمارات إجمالية بقيمة 38 مليار درهم، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات المغربية من 34 مليوناً إلى 80 مليون مسافر سنويا بحلول 2030، في ظل ارتفاع متواصل في حركة النقل الجوي.
ويأتي هذا الورش في سياق سياحي يعرف بدوره منحى تصاعديا، بعدما استقبل المغرب نحو 19.8 مليون سائح خلال 2025، فيما بلغت المداخيل السياحية حوالي 138 مليار درهم. واستمر الأداء الإيجابي خلال الأشهر الأولى من 2026، ما يضع القطاع السياحي أمام الحكومة المقبلة كأحد القطاعات القادرة على دعم النمو وجلب العملة الصعبة وخلق فرص الشغل، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحدي الحفاظ على هذا الزخم وتوسيعه في أفق 2030.
غير أن حجم الاستثمارات المرتبطة بالمونديال لا يلغي أن الحكومة المقبلة ستجد أمامها جبهة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالقدرة على تحويل الدينامية الاستثمارية إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنين. فالأوراش الكبرى قد تعزز البنية التحتية وتدعم جاذبية الاقتصاد، لكن اختبار نجاعتها سيظل مرتبطا أيضا بمدى قدرتها على خلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وفي هذا السياق، يبرز قطاعا الصحة والتعليم باعتبارهما من أبرز الملفات التي ستفرض نفسها على أجندة الحكومة المقبلة. فقد بلغت الاعتمادات المرصودة لهما في قانون مالية 2026 نحو 140 مليار درهم، إلى جانب إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي، بما يعكس حجم الموارد التي يجري توجيهها إلى هذين القطاعين.
وفي قطاع الصحة، ارتفعت اعتمادات الاستثمار خلال 2026 من تسعة مليارات إلى 14 مليار درهم، بالتزامن مع استمرار تأهيل البنيات الاستشفائية ومؤسسات الرعاية الصحية الأولية.
كما يرتقب استكمال عدد من المشاريع الاستشفائية وإضافة آلاف الأسرة إلى العرض الصحي، في وقت يتواصل فيه تنفيذ برامج تأهيل المراكز الصحية على المستوى الوطني.
أما التعليم، فيظل بدوره أمام تحديات مرتبطة بجودة التعلمات والموارد البشرية والبنيات المدرسية، رغم الرفع من عدد المناصب المالية والاستثمارات الموجهة إلى القطاع خلال السنوات الأخيرة.
ويحتل التشغيل موقعا مركزيا في هذه المعادلة، خصوصا في ظل استمرار ارتفاع البطالة لدى الشباب والنساء. ووفق أحدث معطيات سوق الشغل خلال الربع الثاني من 2026، بلغ معدل البطالة 9.5 في المائة، فيما وصل عدد العاطلين إلى نحو 1.121 مليون شخص، وارتفع المعدل لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 27.2 في المائة.
وتضع هذه المؤشرات الحكومة المقبلة أمام سؤال أساسي يتجاوز حجم الاستثمارات المعلنة، ويتعلق بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل الأوراش الكبرى إلى فرص شغل مستدامة، خصوصا بالنسبة إلى الشباب والنساء، وعلى ضمان استفادة أوسع من الدينامية التي يفترض أن تخلقها مشاريع البنية التحتية والمونديال والسياحة والصناعة والخدمات.





