بعد مضاعفة ميزانية الصحة.. هل يلمس المواطن ثمار الإصلاح في حياته اليومية؟

أميمة حدري

أعد الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، ورقة تحليلية ترصد مسار إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب بعد خمس سنوات من انطلاق هذا الورش، متوقفا عند حجم الموارد المالية التي جرى رصدها للقطاع، واتساع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية، مقابل استمرار تحديات مرتبطة بالولوج الفعلي إلى العلاج، وكلفة الخدمات، والموارد البشرية، ووضعية القطاع الصحي العمومي.

وتشير الورقة، إلى أن ميزانية الصحة انتقلت من 19,7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42,4 مليار درهم مرتقبة سنة 2026، معتبرة أن هذا التطور المالي رافقه إصلاح مؤسساتي وتوسيع للتغطية الصحية وإعادة هيكلة للمنظومة. غير أن حمضي يضع أمام هذه المكتسبات سؤالا مركزيا يتعلق بمدى انتقال أثر الإصلاح من مستوى النصوص والمؤسسات والاستثمارات إلى الحياة اليومية للمواطن.

وبحسب المعطيات التي تتضمنها الورقة، بلغ عدد المسجلين في منظومة التغطية الصحية نحو 32 مليون شخص سنة 2025، أي ما يعادل 88 في المائة من السكان، فيما يصل عدد المستفيدين فعليا إلى 25,6 مليون شخص، بينما لا يزال 8,54 ملايين شخص محرومين من الولوج الفعلي إلى العلاج.

ويرى حمضي أن التحدي لم يعد مرتبطا بالتسجيل وحده، بل بمدى تفعيل الحقوق الصحية وإتاحتها للاستعمال الفعلي، وربط التغطية الصحية بعرض علاجي يمكن الوصول إليه، إلى جانب ضمان القدرة المالية على الاستفادة من الخدمات الصحية. وبذلك، تنتقل معادلة الإصلاح، وفق الورقة، من مجرد توسيع قاعدة المشمولين بالتأمين إلى تحويل هذا التأمين إلى مدخل فعلي للعلاج.

وتبرز الكلفة التي يتحملها المرضى كواحد من أبرز الإشكالات التي تتوقف عندها الورقة، إذ تشير إلى أن الأسر لا تزال تمول أكثر من نصف مجموع النفقات الصحية، فيما يتخلى 41,5 في المائة من المغاربة عن العلاج لأسباب اقتصادية، وفق المعطيات التي أوردها حمضي. وترتفع هذه النسبة، بحسب الورقة، إلى 60 في المائة لدى غير المؤمنين و36 في المائة لدى المؤمنين.

ويربط حمضي جزءا من هذا الوضع باستمرار الفجوة بين التعريفة الوطنية المرجعية والتكلفة الفعلية للعلاجات، مشيرا إلى أن هذه التعريفات لم تتم مراجعتها منذ سنة 2006، وهو ما يجعل التعويضات، في عدد من الحالات، غير كافية لتغطية الكلفة التي يتحملها المريض.

وفي الجانب المتعلق بتوزيع نفقات التأمين الإجباري عن المرض، تشير الورقة إلى أن 91 في المائة من التعويضات تذهب إلى القطاع الخاص مقابل 9 في المائة للقطاع العام. كما تسجل أن متوسط كلفة ملف المرض لدى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي في القطاع الخاص يبلغ 5,6 أضعاف كلفته في القطاع العام.

وتضع هذه المعطيات المستشفى العمومي في صلب النقاش حول مستقبل الإصلاح، إذ تعتبر الورقة أن وجود مرفق عمومي قوي وفعال يظل ضرورياً لضمان استمرارية العلاج، والتكفل بالحالات المعقدة، وتحقيق التوازن المجالي، وضبط التكاليف، وضمان العلاج لجميع المواطنين.

وفي المقابل، تظل الموارد البشرية الصحية من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة، إذ تقدر الورقة الخصاص بنحو 30 ألف طبيب وأكثر من 60 ألفا من باقي مهنيي الصحة، إلى جانب تفاوت كبير في توزيع الكفاءات بين جهات المملكة. وتفيد المعطيات الواردة فيها بأن 75 في المائة من مهنيي الصحة يتركزون في ثلاث جهات فقط من أصل 12 جهة.

كما تتوقف الورقة عند هجرة الأطباء، مشيرة إلى مغادرة أكثر من طبيبين للمغرب يوميا، معتبرة أن هذه الظاهرة تضعف قدرة المنظومة على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للسكان، وتفرض إعادة النظر في التكوين والتوظيف وظروف العمل والحوافز المهنية.

ولا يحصر حمضي إصلاح المنظومة في توسيع العرض العلاجي، بل يدعو إلى جعل الوقاية والرعاية الصحية الأولية محورا أساسيا للسياسات الصحية، من خلال تسهيل الكشف المبكر والتتبع المنتظم للأمراض المزمنة، وتوفير العلاجات الأساسية، والتربية العلاجية، بما يمكن من التدخل قبل تطور الأمراض إلى مراحل أكثر تعقيدا وكلفة.

وتطرح الورقة، في هذا السياق، مسألة محدودية نظام الثالث المؤدي في العلاجات الخارجية، معتبرة أن توسيعه تدريجيا يمكن أن يخفف من العبء المالي الذي يتحمله المرضى، خصوصا بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة والمصابين بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال والمسنين.

وبخصوص الحكامة، تسجل الورقة أن الإصلاح أفرز مؤسسات جديدة، من بينها المجموعات الصحية الترابية والهيئة العليا للصحة والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، غير أن إحداث هذه المؤسسات، وفق حمضي، لا يكفي وحده لضمان نجاح الإصلاح، ما لم يقترن بالشفافية والتقييم وربط المسؤولية بالأهداف والنتائج.

وتخلص الورقة إلى أن الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من الإصلاح في النصوص والمؤسسات إلى إصلاح يلمسه المواطن في حياته اليومية، عبر تفعيل الحقوق الصحية، وتحسين الولوج إلى الخدمات، وتقليص العبء المالي على الأسر، وتعزيز جاذبية القطاع العمومي، وسد الخصاص في الموارد البشرية، وإعطاء الأولوية للوقاية والرعاية الأولية.

وفي هذا السياق، يقترح حمضي جملة من الإجراءات، من بينها مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية، والتدرج في تعميم نظام الثالث المؤدي في العلاجات الخارجية، وإقرار حزمة وطنية للوقاية دون تسبيق للمصاريف، وإعادة صياغة التكوين الصحي، وتعزيز الموارد البشرية بالقطاع العام، ووضع أهداف قابلة للقياس في مجال الحماية المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى