السباعي لـ”إعلام تيفي”: المغرب يتصدى للاستفزازات الإسبانية بضبط النفس

أميمة حدري

اعتبر الحسين بكار السباعي، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي ومدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي، أن زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى مدينة سبتة المحتلة تتجاوز أبعادها البروتوكولية، في ظل ما تعرفه الساحة السياسية الإسبانية من تجاذبات حزبية وضغوط مرتبطة بقضايا السيادة والهجرة والأمن، مؤكدا أن المغرب ظل متشبثا بضبط النفس، في مواجهة محاولات توظيف الزيارة لإثارة التوتر في العلاقات بين الرباط ومدريد.

وأوضح السباعي، في تصريح لجريدة “إعلام تيفي“، أن قراءة هذه الزيارة تقتضي وضعها في سياقها السياسي والإعلامي، بعيدا عن التأويلات التي سعت إلى تقديمها باعتبارها مؤشرا على مواجهة وشيكة بين المغرب وإسبانيا، مشيرا إلى أن سبتة تظل نقطة تقاطع بين الاعتبارات التاريخية والسيادية والحسابات السياسية الداخلية الإسبانية، في ظل استمرار الخلاف حول وضع المدينة التي يطالب المغرب باستعادة السيادة عليها.

وأضاف المحلل السياسي أن الحضور الملكي في المدينة يحمل رسائل تتعلق بتأكيد الموقف الإسباني من سبتة، وإبراز استمرارية مؤسسات الدولة، إلى جانب محاولة طمأنة السكان وإظهار أن مدريد لا تتعامل مع المدينة باعتبارها ملفا قابلا للمساومة. غير أن هذه الدلالات، بحسب قراءته، لا تعني بالضرورة اقتراب مواجهة مع المغرب، ولا تبرر الترويج لسيناريوهات التصعيد استنادا إلى معطيات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.

وفي هذا السياق، ربط السباعي الزيارة بالتنافس السياسي المتصاعد داخل إسبانيا، خصوصا بين الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والحزب الشعبي، في ظل تنامي حضور حزب «فوكس» اليميني الذي يدفع نحو خطاب أكثر تشددا في قضايا الهجرة والحدود والعلاقة مع المغرب. واعتبر أن هذا التنافس لا يقتصر على الاختلاف بشأن تدبير الاقتصاد والخدمات العمومية، بل يمتد إلى محاولة كل طرف تقديم نفسه باعتباره الأقدر على حماية المصالح الإسبانية وصون الوحدة الوطنية.

وأشار المتحدث إلى أن هذا السياق يضع حكومة بيدرو سانشيز أمام معادلة سياسية دقيقة، تتمثل في ضرورة الحفاظ على التعاون مع الرباط، من جهة، وتجنب الظهور بمظهر الحكومة التي تقدم تنازلات في الملفات المرتبطة بالسيادة والأمن، من جهة أخرى. كما يفرض على الحزب الشعبي الموازنة بين تقديم نفسه بديلا حكوميا قادرا على التدبير، وبين ضغوط الخطاب اليميني المتشدد الذي يتبناه حزب “فوكس”.

وبحسب السباعي، فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في ترتيب الأحزاب داخل استطلاعات الرأي، بل في احتمال انتقال مركز النقاش السياسي الإسباني نحو قضايا الهوية والسيادة والأمن، وهو ما قد يضيق هامش المناورة أمام الحكومة في تدبير علاقاتها الخارجية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تجمع بين المصالح المشتركة والخلافات التاريخية.

وتوقف المحلل السياسي عند أجواء الاحتفال بالعيد الوطني الإسباني، الذي يصادف 12 أكتوبر من كل سنة، وما رافقه من احتجاجات وصيحات استهجان استهدفت رئيس الحكومة بيدرو سانشيز خلال العرض العسكري، معتبرا أن التباين بين مظاهر التأييد التي حظي بها الملك والاحتجاجات الموجهة إلى الحكومة يعكس جانبا من حدة الاستقطاب السياسي داخل إسبانيا.

وأوضح أن هذا التباين يبرز قدرة المؤسسة الملكية على استقطاب مظاهر التأييد في سياق تتعرض فيه السلطة التنفيذية لانتقادات سياسية، لكنه حذر من المبالغة في استثمار هذا المشهد إعلاميا، لأن إقحام المؤسسة الملكية في التجاذبات الحزبية قد يؤثر في صورتها باعتبارها مؤسسة يفترض أن تظل فوق المنافسة السياسية المباشرة.

وفي ما يتعلق بزيارة سبتة، يرى السباعي أن توظيف الرمزية الوطنية في سياق التنافس الداخلي الإسباني يطرح تساؤلات بشأن الأهداف السياسية التي يمكن أن تخدمها، خاصة أن تأكيد الحضور الرسمي في المدينة لا يعالج بالضرورة الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه سكانها، ولا التحديات المرتبطة بالهجرة واستقبال القاصرين ومراقبة الحدود.

وأضاف أن ملف الهجرة يمنح هذه الرمزية أبعادا عملية، بالنظر إلى ارتباطه بتحديات السكن والعمل والخدمات والإدماج الاجتماعي، فضلا عن مسؤوليات السلطات في تدبير الحدود والتعامل مع المهاجرين. واعتبر أن تعزيز حضور الدولة في سبتة لا يمكن أن يقتصر على الرموز والمظاهر الاحتفالية، بل يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظارات السكان وتوفير الخدمات والحقوق الأساسية.

وبخصوص زيارة الملك الإسباني لمقبرة سيدي أمبارك، وما ارتبط بها من حديث عن الترحم على مهاجرين مغاربة، دعا السباعي إلى التمييز بين البعد الإنساني لهذه الخطوة ودلالاتها السياسية، معتبرا أن مثل هذه الإشارات يمكن أن تقدم باعتبارها تعبيرا عن الاعتراف بمآسي الهجرة وإبراز قيم التعايش، دون أن تعني بالضرورة حدوث تحول في السياسة الإسبانية المتعلقة بالحدود أو تدبير تدفقات الهجرة.

وشدد المتحدث على أن البعد الإنساني لا يعفي السلطات من مسؤولية التعامل مع المآسي المرتبطة بالهجرة، كما أن المبادرات الرمزية لا يمكن أن تكون بديلا عن معالجة الأسباب والظروف التي تقود إلى وقوع مثل هذه الأحداث، أو عن تعزيز التعاون الفعلي في مجال تدبير الحدود وحماية الأرواح.

وفي قراءته لمستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، رجح السباعي استمرار الجمع بين التشدد في الخطاب المرتبط بالسيادة والتعاون العملي في الملفات ذات المصالح المشتركة، معتبرا أن هذا التوازن يظل رهينا بقدرة الطرفين على احتواء الخلافات ومنعها من التأثير في مجالات التعاون الأمني والاقتصادي.

وحذر من أن تصاعد التنافس الانتخابي أو وقوع حوادث مرتبطة بالحدود أو الهجرة قد يضع العلاقات الثنائية أمام اختبارات جديدة، خصوصا إذا تحولت الملفات التي يجري تدبيرها عبر القنوات الدبلوماسية إلى موضوع للمزايدة السياسية والإعلامية. وفي هذه الحالة، قد تجد الحكومة الإسبانية نفسها أمام هامش أضيق للمناورة، في ظل الضغوط الداخلية المرتبطة بمطالب التشدد في قضايا السيادة والأمن.

وخلص السباعي إلى أن أهمية زيارة فيليبي السادس إلى سبتة لا ترتبط بإعلان تحول استراتيجي محسوم في العلاقات مع المغرب، بقدر ما تتصل بتداخل الرسائل الرمزية والسياسية التي حملتها، سواء على مستوى تأكيد الموقف الإسباني من المدينة أو محاولة احتواء الضغوط الداخلية. واعتبر أن الاختبار الحقيقي يتجاوز مشهد الزيارة إلى مدى قدرة مدريد على معالجة الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية في سبتة، وقدرة الرباط ومدريد على الحفاظ على التعاون المشترك، رغم استمرار الخلاف بشأن السيادة على المدينة.

وأكد أن المغرب، في تعامله مع هذه التطورات، ظل متمسكا بضبط النفس، بما يعكس حرصه على عدم الانجرار وراء القراءات التصعيدية التي قد تسعى إلى توظيف الزيارة لإرباك العلاقات الثنائية، في وقت تفرض فيه المصالح المشتركة استمرار الحوار والتعاون، دون أن يلغي ذلك تمسك المملكة بمواقفها المرتبطة بوحدتها الترابية وحقوقها التاريخية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى