المستشفيات العمومية.. نزيف الأطباء و معاناة المواطنين

سلمى الحدادي: صحافية متدربة

يعيش القطاع الصحي في المغرب أزمة متفاقمة، تتجلى في النقص الحاد في الأطباء داخل المستشفيات العمومية، وهجرة الكفاءات الطبية إلى الخارج، مما يعمّق معاناة المواطنين ويزيد من تدهور جودة الخدمات الصحية. هذا الوضع يسلط الضوء على اختلالات هيكلية تستوجب حلولًا عاجلة لضمان الحق في العلاج لكافة المغاربة.

خصاص مهول في الأطباء وواقع مقلق

وسبق أن كشف تقرير صادر عن المندوبية السامية للتخطيط أن عدد الأطباء العاملين في القطاع العام لا يتجاوز 15 ألف طبيب، أي بمعدل أربعة أطباء لكل 10 آلاف نسمة، في بلد يتجاوز عدد سكانه 36 مليون نسمة. هذا الرقم بعيد كل البعد عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، والمحدد في 15.3 طبيب لكل 10 آلاف نسمة.

في جهة الرباط-سلا-القنيطرة، التي تعد ثاني أكبر جهة من حيث عدد السكان، لا يتجاوز عدد أطباء القطاع العام 2910، بمعدل طبيب واحد لكل 1763 شخصًا. هذا الضغط الهائل يؤدي إلى تردي جودة الرعاية الصحية وزيادة الأعباء على الأطباء والممرضين، مما يؤثر بشكل مباشر على المرضى الذين يجدون أنفسهم أمام طوابير انتظار طويلة وخدمات غير كافية.

هروب جماعي يعكس عمق الأزمة

شهد مستشفى مولاي عبد الله مغادرة جماعية لـ12 طبيبًا دفعة واحدة، وهي ليست الحالة الأولى، إذ سبق أن عرفت مستشفيات أخرى وقائع مماثلة بسبب ظروف العمل القاسية. ويشتكي الأطباء من قلة الموارد البشرية، ضعف التجهيزات، وضغط العمل الهائل، مما يجعل أداء مهامهم بشكل لائق أمرًا شبه مستحيل.

وحسب مصادر مطلعة، جاء هدا بسبب تردي ظروف العمل، وهو ما يعكس حجم الإحباط الذي يدفع بالكفاءات إلى البحث عن فرص أفضل خارج البلاد. قطاع الإنعاش والتخدير من بين التخصصات الأكثر تضررًا، حيث تعاني المستشفيات من نقص حاد في أطباء التخدير، ما يؤدي إلى تأجيل العمليات الجراحية وتعريض حياة المرضى للخطر.

تدخل السلطات المحلية.. أين دور وزارة الصحة؟

الأمر اللافت في أزمة مستشفى سلا الأخيرة، هو أن التدخل لحل المشكلة جاء من والي جهة الرباط-سلا-القنيطرة، وليس من وزارة الصحة، مما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الوزارة على تسيير القطاع وضبط أوضاعه. كيف يمكن لمؤسسة بحجم وزارة الصحة أن تظل عاجزة عن مواجهة أزمة تتكرر باستمرار؟

في المقابل، يقتصر تدخل الوزارة في كثير من الأحيان على إجراءات شكلية،  غير كافية أمام التحديات الواقعية التي تواجه الأطباء والممرضين.

نزيف الأطباء.. هجرة متواصلة للخارج

يفقد المغرب سنويًا نحو 700 طبيب بسبب الهجرة إلى الخارج، خاصة نحو أوروبا، وهو ما يمثل حوالي 30% من مجموع خريجي كليات الطب في البلاد. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها في تفاقم مستمر بسبب الظروف الصعبة التي يواجهها الأطباء داخل المستشفيات العمومية، من ضعف التجهيزات، وضغط العمل، وانخفاض الرواتب مقارنة بنظرائهم في الدول الأوروبية.

القطاع الخاص.. ملاذ مكلف للمرضى

أمام تدهور القطاع العمومي، يجد المواطن المغربي نفسه مضطرًا للجوء إلى المصحات الخاصة، حيث تُقدم خدمات بجودة أعلى، لكن بأسعار باهظة تجعل العلاج امتيازًا لفئة محدودة. المرضى في بعض الحالات يواجهون صعوبات حتى في الحالات الطارئة، حيث ترفض بعض المصحات استقبالهم دون دفع مسبق، مما يعمّق أزمة الفئات الهشة التي لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج.

ظاهرة “تسليع الصحة” أصبحت واقعًا ملموسًا، حيث تحولت الرعاية الصحية إلى قطاع يسير وفق منطق الربح بدل أن يكون حقًا أساسيًا لكل مواطن. الخصخصة التدريجية للرعاية الصحية تجعل الفجوة بين الفقراء والأغنياء أكثر وضوحًا، حيث تبقى الخدمات الجيدة متاحة فقط لمن يملك القدرة على الدفع.

نحو حلول جذرية ومستدامة

في ظل هذا الوضع المقلق، يقترح الأطباء والعاملون في القطاع الصحي مجموعة من الحلول العاجلة لإنقاذ المنظومة الصحية، أبرزها تحسين ظروف العمل والرواتب لجذب الأطباء للبقاء في المغرب، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية والتجهيزات الطبية. كما يؤكدون على ضرورة تقديم تحفيزات للأطباء للعمل في المناطق النائية، وضبط أسعار المصحات الخاصة لضمان تكافؤ الفرص في العلاج. إصلاح شامل للقطاع الصحي أصبح ضرورة ملحة، فالصحة ليست رفاهية بل حق أساسي لكل مواطن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى