هل تعد الشركات الجهوية متعددة الخدمات حلا واعدا أم تحد جديد؟

نجوى القاسمي : صحافية متدربة

يواجه تدبير المرافق العمومية بالمغرب، لاسيما في مجالات توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، تحديات متزايدة تتجلى في تزايد الطلب، ضعف الموارد، والتفاوت المجالي بين الجهات. وفي محاولة لمعالجة هذه الإشكالات، جاء القانون رقم 83.21 المتعلق بإحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات، كإطار قانوني جديد يسعى إلى تحسين إدارة هذه المرافق وضمان استثمارات كبرى لمواكبة الحاجيات المتزايدة للمواطنين. غير أن هذا التحول، رغم طموحاته، يثير تساؤلات حول مدى قدرته على تحقيق الأهداف المرجوة، في ظل تعقيدات تدبيرية وقانونية لا يمكن تجاهلها.

إطار قانوني جديد يطمح إلى تحديث التدبير العمومي

يأتي إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات في إطار رؤية إصلاحية تهدف إلى تعزيز حكامة تدبير المرافق العمومية الأساسية، وفق ما ينص عليه القانون رقم 83.21. يهدف هذا الإطار الجديد إلى ضخ استثمارات تفوق 200 مليار درهم خلال العشرين سنة المقبلة، ما سيساهم في تحسين البنية التحتية وضمان استدامة الخدمات. كما يسعى إلى إرساء نموذج تدبيري حديث يعتمد على التنسيق بين الجماعات الترابية، الجهات، والقطاع الخاص، إضافة إلى رفع كفاءة التوزيع عبر شركات متخصصة تتبنى معايير حديثة لمزيد من المهنية والاستدامة. ويرتكز هذا التوجه أيضا على تقليص الفوارق المجالية بين المناطق الحضرية والقروية، من خلال تحسين جودة الخدمات وضمان توازن في الولوج إليها.

إكراهات التدبير الحالي: لماذا الحاجة إلى نموذج جديد؟

لكن، رغم الطموحات الكبرى لهذا المشروع، فإن الواقع يُشير إلى أن خيار الشركات الجهوية متعددة الخدمات لم يكن وليد اللحظة، بل جاء استجابة لإكراهات متراكمة تعاني منها الجماعات الترابية في تدبير المرافق العمومية.

فمن جهة، يعاني التدبير المباشر من محدودية الإمكانيات، حيث تعتمد العديد من الجماعات على مواردها الذاتية، والتي غالبا ما تكون غير كافية لمواكبة تزايد الطلب وضمان جودة الخدمات. ومن جهة أخرى، يُطرح غياب التخطيط الاستراتيجي كأحد أبرز العوائق، إذ لا تزال بعض القطاعات، مثل الماء والكهرباء، تفتقر إلى رؤية وطنية متكاملة، ما يؤدي إلى تفاوتات مجالية صارخة.

وعلاوة على ذلك، يشكل تفويت الخدمات دون إطار تنظيمي واضح تحديا إضافيا، حيث لجأت بعض المناطق إلى تفويض تدبير الماء الصالح للشرب إلى جمعيات محلية تفتقد إلى معايير واضحة، مما انعكس سلبا على جودة الخدمات المقدمة.

إشكالية تفويض الاختصاصات: أي توافق بين القانونين 83.21 و113.14؟

وما يزيد من تعقيد المشهد القانوني أن الشركات الجهوية تصطدم بتعدد المرجعيات التشريعية، حيث يمنح القانون رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية لهذه الأخيرة صلاحية تدبير المرافق العمومية المحلية، في حين يُنقل اختصاص تدبير الماء والكهرباء والتطهير إلى الشركات الجهوية وفق القانون رقم 83.21.

هذا التداخل في الصلاحيات يثير جدلا حول مدى احترام هذا التحول للمقتضيات الدستورية التي تضمن استقلالية الجماعات الترابية، خاصة وأن الجماعات اعتادت على تدبير هذه المرافق وفق أنظمتها الداخلية، مما يجعل الانتقال إلى النموذج الجديد محفوفا بتحديات إدارية وقانونية تتطلب حلا توافقيا.

 بين التفاؤل والتوجس

ورغم هذه التحديات، فإن التجربة المغربية في إصلاح المرافق العمومية ليست جديدة، إذ سبق أن تم تفويض تدبير الماء والكهرباء لشركات خاصة في بعض المدن الكبرى، مثل الدار البيضاء والرباط. ومع ذلك، فإن نجاح الشركات الجهوية الجديدة سيعتمد على مدى قدرتها على تفادي سلبيات التجارب السابقة، وإرساء نموذج يوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

وفي انتظار بدء الشركات الجهوية في تنفيذ استراتيجياتها، يبقى السؤال الأهم مطروحا: هل سيتمكن هذا النموذج الجديد من إحداث تغيير ملموس في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، أم أنه سيكون مجرد امتداد لتجارب سابقة لم تف بوعودها؟ .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى