تقرير يرصد تغير خريطة الهجرة: انخفاض المغادرين من المغرب وبروز مسارات جديدة

حسين العياشي
في وقت تتصاعد فيه النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات الهجرة واللجوء، تكشف المعطيات الجديدة عن تحولات لافتة في خريطة التدفقات البشرية نحو القارة. فبعد سنوات من الضغط المتزايد على الحدود الأوروبية، تشير أحدث التقارير إلى بداية مرحلة مختلفة تتسم بتراجع بعض المسارات التقليدية للهجرة، مقابل بروز مسارات أخرى واستمرار الضغوط العالمية التي تدفع آلاف الأشخاص إلى البحث عن ملاذ آمن خارج بلدانهم.
في هذا السياق، يرصد التقرير السنوي لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء تحولات ملحوظة في ديناميات الهجرة، من بينها انخفاض عدد المغادرين من السواحل المغربية، وتراجع طلبات اللجوء داخل أوروبا، إلى جانب إعادة تشكل تدريجية لمسارات العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
ويكشف التقرير أن الواجهة الأطلسية للمغرب، التي كانت خلال السنوات الماضية إحدى أبرز نقاط الانطلاق نحو أرخبيل الكناري الإسباني، سجلت تراجعاً ملحوظاً في أعداد المغادرين. فقد انخفضت عمليات الانطلاق من المغرب بنحو 17 في المائة، وهو ما ساهم بشكل مباشر في انخفاض العبور عبر طريق غرب إفريقيا. كما تراجعت عمليات رصد محاولات العبور غير النظامي على هذا المسار بنسبة تصل إلى 63 في المائة، في مؤشر واضح على تغير ملامح هذا الطريق الذي كان يعد من أكثر المسارات نشاطاً نحو أوروبا.
ويعزو التقرير هذا التحول بدرجة كبيرة إلى تعزيز التنسيق العملياتي بين المغرب وإسبانيا في مجال مراقبة الحدود والرقابة البحرية. فالتعاون المتزايد بين الرباط ومدريد، سواء من خلال تكثيف الدوريات البحرية أو تبادل المعلومات الأمنية، ساهم في الحد من محاولات الانطلاق من السواحل الأطلسية المغربية، التي ظلت لسنوات نقطة عبور رئيسية نحو جزر الكناري.
ولا يقتصر هذا التراجع على مسارات الهجرة فحسب، بل يمتد أيضاً إلى طلبات اللجوء داخل أوروبا. إذ تشير البيانات التي جمعتها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى تسجيل نحو 822 ألف طلب للحماية الدولية داخل دول الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة به خلال سنة 2025، وهو ما يمثل انخفاضاً يقارب 19 في المائة مقارنة بسنة 2024. ويرى محللو الوكالة أن هذا التراجع يعكس نوعاً من الهدوء النسبي في الضغط على أنظمة اللجوء الأوروبية بعد سنوات اتسمت بارتفاع متواصل في أعداد الوافدين، وإن ظل هذا التحسن هشاً ومرتبطاً إلى حد كبير بالتطورات الجيوسياسية والأزمات الدولية.
ورغم هذا الانخفاض الإجمالي، فإن خريطة طالبي اللجوء ما تزال تتركز حول عدد محدود من الجنسيات. فقد حافظ المواطنون الأفغان على صدارة قائمة طالبي اللجوء في أوروبا، بعد تسجيل نحو 117 ألف طلب خلال سنة 2025. وتشير المعطيات إلى أن نسبة كبيرة من هذه الطلبات تتعلق بإعادة تقديم ملفات سبق رفضها، إذ تمثل الطلبات المتكررة نحو 41 في المائة من مجموع الطلبات المقدمة من مواطنين أفغان.
أما المرتبة الثانية فكانت من نصيب الفنزويليين، الذين قدموا نحو 91 ألف طلب لجوء، وهو رقم قياسي يعكس استمرار تداعيات الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ سنوات. كما تواصل جنسيات أخرى الحضور ضمن تدفقات الهجرة نحو أوروبا، من بينها مواطنو بنغلادش الذين تقدموا بنحو 37 ألف طلب لجوء، رغم تسجيل انخفاض بنحو 15 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
وفي مقابل هذه الأرقام، يلفت التقرير إلى أن بعض الجنسيات تسجل معدلات قبول ضعيفة للغاية في طلبات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي. ويأتي المواطنون المغاربة ضمن هذه الفئة، حيث لا يتجاوز متوسط الاعتراف لهم بالحماية الدولية 4 في المائة فقط. وتسجل معدلات مماثلة تقريباً لدى طالبي اللجوء القادمين من بنغلادش ومصر، بنسبة تقارب 3 في المائة لكل منهما، بينما تبلغ نحو 5 في المائة بالنسبة للمواطنين الكولومبيين.
ويفسر المسؤولون الأوروبيون هذه النسب المتدنية بكون غالبية الطلبات المقدمة من هذه الجنسيات لا تستجيب لشروط الحماية الدولية، التي تمنح أساساً للأشخاص الفارين من النزاعات المسلحة أو من حالات الاضطهاد المباشر.
وتغذي هذه المعطيات نقاشاً متصاعداً داخل الاتحاد الأوروبي حول توسيع قائمة الدول المصنفة باعتبارها «بلدان منشأ آمنة». فإدراج دولة ضمن هذه القائمة يسمح بتسريع معالجة طلبات اللجوء المقدمة من مواطنيها، باعتبار أن فرص حصولهم على الحماية الدولية تظل محدودة. ويشير التقرير إلى أن المغرب يعد من بين الدول المرشحة للانضمام إلى هذه القائمة إلى جانب بنغلادش وكولومبيا ومصر والهند وكوسوفو وتونس.
وتشكل طلبات اللجوء المقدمة من مواطني هذه الدول مجتمعة نحو 16 في المائة من مجموع الطلبات المسجلة في الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025، وهو ما يفسر سعي المؤسسات الأوروبية إلى تسريع معالجة هذه الملفات ضمن سياسات تهدف إلى تخفيف الضغط على أنظمة اللجوء.
غير أن تراجع بعض المسارات لا يعني نهاية الضغوط المرتبطة بالهجرة. فالتقرير يشير بوضوح إلى أن خريطة العبور نحو أوروبا تعرف إعادة تشكل تدريجية، حيث يتراجع النشاط في بعض الطرق مقابل استمرار الضغط في أخرى. فبينما شهد الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري انخفاضاً ملحوظاً، ما تزال الطريق الوسطى للبحر الأبيض المتوسط، التي تربط خصوصاً ليبيا وتونس بالسواحل الإيطالية، تستقطب أعداداً كبيرة من المهاجرين.
وفي هذا الإطار، عززت السلطات الإيطالية تعاونها مع ليبيا للحد من الانطلاقات من السواحل الشمالية لإفريقيا، في وقت تعمل فيه عدة دول أوروبية على توسيع أنظمة المراقبة البحرية وتعزيز شراكاتها مع بلدان العبور في محاولة لإدارة هذه التدفقات بشكل أكثر فاعلية.
ومع ذلك، يظل السياق العالمي عاملاً حاسماً في تفسير استمرار الهجرة. فالنزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية وتداعيات التغيرات المناخية ما تزال تدفع ملايين الأشخاص إلى النزوح عبر الحدود. وتشير التقديرات إلى أن نحو 4.5 ملايين شخص كانوا لا يزالون يستفيدون من نظام الحماية المؤقتة داخل الاتحاد الأوروبي حتى نهاية سنة 2025، معظمهم من اللاجئين الذين فروا من الحرب في أوكرانيا.
في ظل هذه المعطيات المتشابكة، تبدو إدارة الهجرة مرشحة للبقاء في صدارة الأجندة السياسية الأوروبية خلال السنوات المقبلة. فبين ضرورة حماية الحدود والحفاظ على حق اللجوء وتعزيز التعاون مع دول الجوار، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معادلة دقيقة تتطلب توازناً دائماً بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات الإنسانية.
وفي هذا السياق، يقدم نموذج التعاون بين المغرب وإسبانيا مثالاً واضحاً على توجه أوروبي متزايد نحو الاعتماد على الشراكات الإقليمية لضبط تدفقات الهجرة. إذ ساهم التنسيق بين الرباط ومدريد في تقليص ملحوظ للانطلاقات نحو إسبانيا، ما جعل هذا التعاون أحد العناصر الأساسية في إعادة تشكيل المشهد الهجري على ضفتي المتوسط.





