معركة النفوذ في الجهة الشرقية.. أول اختبار حقيقي لقيادة شوكي داخل “الأحرار”

حسين العياشي

لم يعد الصراع داخل حزب التجمع الوطني للأحرار في الجهة الشرقية مجرد تباين عابر في وجهات النظر التنظيمية، بل أخذ ملامح مواجهة هادئة تدور حول التزكيات ومواقع النفوذ. غير أن ما يجري في الكواليس يتجاوز حدود إعادة ترتيب المرشحين ليعكس صراعاً أوسع حول التموقع والزعامة داخل الحزب قبل أي استحقاق انتخابي قادم. وفي قلب هذه اللحظة التنظيمية الدقيقة يجد محمد شوكي نفسه أمام أول اختبار فعلي لقيادته الجديدة، اختبار يتعلق بقدرته على إدارة توازنات معقدة داخل تنظيم توسع سريعاً خلال السنوات الأخيرة.

تمتد الجهة الشرقية من وجدة إلى الناظور مروراً ببركان والدريوش، لكنها سياسياً تبدو أشبه بخريطة نفوذ متعددة المراكز. ففي كل مدينة تقريباً تشكلت عبر الزمن دوائر تأثير محلية حول الأعيان والمنتخبين، دوائر اكتسبت وزنها من التراكم الانتخابي والعلاقات الاجتماعية، ولم تعد تقبل بسهولة إعادة ترتيبها بقرارات صادرة من المركز. لهذا تحولت الجهة إلى واحدة من أكثر الساحات حساسية داخل الحزب، حيث تتقاطع التزكيات مع شبكات الولاء المحلية، ويصبح أي تعديل في موازين القوى مدخلاً محتملاً لصراع داخلي.

في هذا السياق، لم يعد النقاش حول التزكيات مجرد مسألة تنظيمية، بل صار ساحة يظهر فيها حجم الطموحات الفردية داخل الحزب. فالتنافس الذي يبدو في الواجهة نقاشاً حول المواقع الانتخابية يخفي في العمق سباقاً مبكراً حول النفوذ السياسي داخل التنظيم.

في وجدة، ظل اسم محمد أوجار لسنوات أحد أبرز الوجوه التجمعية في الشرق؛ حضوره السياسي والإداري، بصفته وزيراً سابقاً للعدل وسفيراً سابقاً، منحه وزناً خاصاً داخل التنظيم المحلي للحزب وجعله رقماً مؤثراً في معادلاته الداخلية. غير أن الأسابيع التي سبقت المؤتمر الاستثنائي كشفت جانباً آخر من المشهد، حين أعلن دخوله سباق الترشح لخلافة عزيز أخنوش على رأس الحزب، خطوة فتحت باب النقاش داخل صفوف التجمعيين وأثارت تساؤلات حول اتجاهات التنافس الداخلي.

غير أن المسار لم يسر طويلاً في هذا الاتجاه، فالرجل الذي خاض غمار الترشح وارتبط اسمه بحالة من التحشيد السياسي داخل الحزب ظهر لاحقاً داعماً لترشيح محمد شوكي، متراجعاً عن خيار المنافسة قبل أيام من انعقاد المؤتمر الاستثنائي. هذا التحول السريع في المواقف أثار تساؤلات داخل الأوساط الحزبية، إذ بدا أقرب إلى إعادة تموقع سياسي منه إلى تعبير عن رؤية تنظيمية متكاملة.

ولا يتعلق الأمر هنا بتغير موقف سياسي فحسب، بل بتداعيات تنظيمية واضحة. فالتناقض بين خطاب المنافسة والتحشيد ثم الانسحاب والاصطفاف يعزز الانطباع بضعف قدرة المؤسسات الحزبية على إدارة التنافس الداخلي. كما يترك أثراً مباشراً على صورة الحزب لدى قواعده المحلية، خاصة في مدن مثل وجدة والناظور وبركان والدريوش، حيث تقوم التوازنات السياسية على شبكات اجتماعية ومصلحية تراكمت عبر سنوات طويلة.

كما أن بعض المواقف التي عبر عنها أوجار خلال مراحل مختلفة من النقاش الداخلي عكست توجهاً نقدياً تجاه بعض الممارسات التنظيمية وآليات اتخاذ القرار داخل الحزب. غير أن هذا الخطاب فُسِّر لدى بعض المتابعين باعتباره محاولة لبناء قاعدة دعم داخلية يمكن توظيفها لاحقاً في معادلات التموقع داخل التنظيم، وهو ما يعكس طبيعة التنافس الذي يجري في العمق داخل الحزب.

ولا يمكن فهم ما يجري اليوم في الجهة الشرقية بمعزل عن التحولات التي عرفها الحزب خلال مرحلة توسعه في عهد عزيز أخنوش. فقد نجح الحزب آنذاك في استقطاب عدد كبير من الأعيان والمنتخبين القادمين من أحزاب مختلفة، ما منحه قوة انتخابية واضحة. غير أن هذا التوسع أنتج في المقابل شبكة معقدة من المصالح المحلية ومراكز النفوذ المتداخلة التي يصعب إعادة ترتيبها بسهولة.

لهذا تبدو مهمة القيادة الجديدة للحزب أكثر تعقيداً مما قد تبدو عليه في الظاهر. فإعادة رسم خريطة التزكيات داخل الجهة الشرقية تعني عملياً إعادة توزيع النفوذ بين الأعيان والقيادات المحلية، وهو خيار قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية مبكرة. أما الإبقاء على التوازنات القائمة فلن يكون سوى تأجيل للأزمة إلى موعد انتخابي قريب.

وتكشف التجربة الحزبية في المغرب أن التحدي الأكبر لأي قيادة لا يكمن في مواجهة الخصوم خارج الحزب بقدر ما يكمن في إدارة توازناته الداخلية. وفي هذا السياق تبدو الجهة الشرقية اليوم بمثابة اختبار مبكر لقيادة محمد شوكي: هل سيتمكن من فرض انضباط تنظيمي جديد داخل التجمع الوطني للأحرار، أم سيجد نفسه مضطراً للتعايش مع نفس موازين القوة التي تشكلت خلال المرحلة السابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى