من التعاون إلى التحالف الاستراتيجي.. المغرب وأمريكا يرسمان ملامح عقد دفاعي جديد

حسين العياشي

سجل التعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة منعطفاً جديداً، بعد توقيع خارطة طريق تمتد لعقد كامل، في خطوة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، وتؤشر على مرحلة جديدة من إعادة هيكلة العلاقات الدفاعية بين البلدين في سياق دولي متوتر ومتغير.

هذا الاتفاق، الذي يأتي امتداداً لمسار طويل من التعاون العسكري، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعرفها العالم، حيث أصبحت الشراكات الدفاعية أكثر ارتباطاً بمنطق الاستباق والتأمين الاستراتيجي، بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية. وفي هذا الإطار، تهدف خارطة الطريق الجديدة إلى توجيه العلاقة العسكرية بين البلدين خلال السنوات العشر المقبلة، مع الحفاظ على استمرارية شراكة تاريخية تعود جذورها إلى أكثر من قرنين، حين كان المغرب أول دولة تعترف بالولايات المتحدة الأمريكية.

وتندرج هذه الخطوة ضمن دينامية أوسع تسعى من خلالها الرباط إلى تثبيت موقعها كفاعل إقليمي محوري في معادلة الأمن والاستقرار، خاصة في محيط إقليمي يتسم بتصاعد التهديدات الأمنية وتداخل الأزمات، سواء في منطقة الساحل أو في الفضاء المتوسطي. كما تعكس في الوقت ذاته رغبة أمريكية في تعزيز حضورها الاستراتيجي عبر شركاء موثوقين في شمال إفريقيا، في ظل إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية على المستوى العالمي.

ولا يبدو هذا الاتفاق معزولاً عن السياق العام الذي يطبع العلاقات الثنائية، بل يأتي امتداداً لخارطة الطريق السابقة 2020-2030، التي شكلت بدورها إطاراً مرجعياً لتطوير التعاون العسكري، سواء على مستوى التدريبات المشتركة أو تبادل الخبرات أو تحديث القدرات الدفاعية. غير أن الجديد في هذه المرحلة يكمن في الانتقال من منطق التعاون التقليدي إلى بناء شراكة أكثر هيكلة، تقوم على التخطيط بعيد المدى والتكامل العملياتي.

في العمق، يعكس هذا التوجه تحوّلاً في العقيدة الدفاعية للمغرب، التي باتت تراهن بشكل متزايد على تنويع شراكاتها وتعزيز جاهزيتها العسكرية في مواجهة التحديات الإقليمية، خاصة في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والتوترات الجيوسياسية. كما يندرج ضمن استراتيجية أشمل تهدف إلى تطوير القدرات الدفاعية الوطنية، ليس فقط من خلال التسلح، بل أيضاً عبر نقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع العسكري المحلي.

غير أن هذا التقارب العسكري المتزايد يطرح في المقابل أسئلة تتجاوز البعد الأمني، لتلامس رهانات السيادة الاستراتيجية والتوازنات الإقليمية، خاصة في منطقة تعرف تنافساً متصاعداً بين القوى الدولية على النفوذ والتموقع. فتعزيز الشراكة مع واشنطن، رغم ما يوفره من مكاسب على مستوى الدعم والتجهيز، يضع المغرب أيضاً أمام تحدي الحفاظ على استقلالية قراره الاستراتيجي في بيئة دولية معقدة.

وبين منطق التحالفات الكبرى ومتطلبات السيادة الوطنية، تبدو خارطة الطريق العسكرية الجديدة بمثابة رهان مزدوج: تأمين موقع المغرب ضمن شبكة التحالفات الدولية، وفي الآن ذاته تعزيز قدرته على إدارة مصالحه الاستراتيجية في محيط إقليمي ودولي سريع التحول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى