بنكيران يحسم موقع حزبه: إما قيادة الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة

حسين العياشي

حسم عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مبكراً في تموقع حزبه السياسي عقب ظهور ملامح نتائج انتخابات 2026، واضعاً خيارين لا ثالث لهما: رئاسة الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة، في خطاب يعكس عودة واضحة لمنطق الحسم السياسي بعد مرحلة من الغموض الذي طبع موقع الحزب في المشهد الحزبي خلال السنوات الأخيرة.

بهذا الموقف، لا يترك بنكيران مساحة للقراءات الرمادية، بل يرسم خطاً فاصلاً بين المشاركة في قيادة السلطة التنفيذية أو الانتقال إلى معارضة يصفها بـ”الصارمة والمرة والصادقة”، في تعبير يحمل شحنة سياسية قوية ويستبطن استعداداً للعودة إلى أسلوب المواجهة المباشرة مع الحكومة، بعيداً عن أي تموقع وسطي أو توافقي.

ولم يُخفِ زعيم “البيجيدي” إدراكه لحجم التحديات التي قد تواجه الحزب في حال عودته إلى رئاسة الحكومة، معترفاً بصعوبة المرحلة، لكنه شدد في المقابل على أن دخوله المحتمل سيكون “بنية صادقة”، في محاولة لإعادة ترميم صورة الحزب لدى الرأي العام، واستعادة جزء من الثقة التي تآكلت خلال تجربته الحكومية السابقة.

في المقابل، بدا خيار المعارضة بالنسبة لبنكيران ليس مجرد احتمال سياسي، بل مسار جاهز ومؤطر بخطاب واضح المعالم، يقوم على ممارسة دور رقابي قوي، يعيد الحزب إلى موقعه التقليدي كقوة احتجاجية داخل المؤسسات، وهو ما يعكس تحوّلاً في استراتيجيته نحو استثمار موقع المعارضة كرافعة لإعادة البناء السياسي والتنظيمي.

هذا التوجه تزامن مع تصعيد لافت في خطاب الحزب تجاه الحكومة، حيث اعتبر أن تقديم هذه الأخيرة لحصيلتها قبل خمسة أشهر من موعد الانتخابات لا يعدو أن يكون إعلاناً مبكراً عن نهاية ولايتها، ودخولها في مرحلة طويلة من تصريف الأعمال، وهو توصيف يحمل في طياته اتهاماً ضمنياً بتجميد الدينامية الإصلاحية وإهدار ما تبقى من الزمن الحكومي.

وفي قراءة أكثر حدّة، اعتبر حزب العدالة والتنمية أن هذه المرحلة تمثل “تبديداً موصوفاً للزمن التنموي”، خاصة في ظل استمرار تعثر عدد من الأوراش الكبرى التي التزمت بها الحكومة، من قبيل إصلاح أنظمة التقاعد، وإعادة هيكلة صندوق المقاصة، واستكمال ورش الحماية الاجتماعية، وهي ملفات ظلت، بحسب الحزب، عالقة بين الوعود والتأجيل.

ومن داخل ندوة صحافية بالرباط، قدّم إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام للحزب، تشخيصاً أكثر تفصيلاً لما وصفه باختلالات الأداء الحكومي، ملخصاً الحصيلة في عشر نقاط اعتبرها دليلاً على “فشل” الحكومة، ومتهماً إياها بالوقوع في تضارب المصالح وتضخيم الإنجازات وتقديم أرقام لا تعكس الواقع كما هو.

ويذهب الأزمي أبعد من ذلك، حين ينتقد ما يسميه غياب المسؤولية السياسية في تدبير الشأن العام، وهيمنة المقاربة التقنية الضيقة على حساب الرؤية السياسية، معتبراً أن الحكومة أخفقت في بناء تواصل فعال مع الرأي العام، وتراجعت عن اعتماد المقاربة الحقوقية، كما أظهرت ضعفاً في استباق الأزمات وفي التفاعل مع الاحتجاجات القطاعية والمجالية.

وفي خضم هذا السجال المتصاعد، يبدو أن حزب العدالة والتنمية يسعى إلى إعادة تموقعه داخل الحقل السياسي من بوابة الوضوح الحاد في الخطاب، مستفيداً من مناخ انتخابي يقترب تدريجياً، ومن حاجة جزء من الرأي العام إلى بدائل سياسية قادرة على مخاطبة القلق الاجتماعي والاقتصادي المتزايد.

وبين خيار العودة إلى رئاسة الحكومة أو خوض معارضة شرسة، يضع الحزب نفسه أمام اختبار مزدوج: استعادة الثقة الانتخابية من جهة، وإقناع الناخبين بقدرته على تقديم بديل سياسي مختلف من جهة أخرى، في سياق سياسي مفتوح على كل الاحتمالات، حيث لم تعد الشعارات وحدها كافية، بل أصبح الرهان معقوداً على القدرة على الإقناع والإنجاز معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى