إيبولا يعود بقوة.. ومنظمة الصحة العالمية ترفع أعلى درجات الإنذار

حسين العياشي

خبر_ أطلقت منظمة الصحة العالمية، مساء الأحد، واحدا من أكثر التحذيرات الصحية حساسية منذ سنوات، بعدما أعلنت رسمياً أن تفشي فيروس إيبولا من سلالة “بونديبوغيو” في كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا بات يرقى إلى مستوى “طارئ صحي عمومي ذي بعد دولي”، وهو التصنيف الأعلى الذي تلجأ إليه المنظمة حين ترى أن خطراً وبائياً لم يعد شأناً محلياً، بل تهديداً عابراً للحدود قد يتحول إلى أزمة إقليمية معقدة.

القرار الذي جاء بعد مشاورات بين الدول المعنية وخبراء المنظمة، لم يكن مجرد توصيف إداري بارد، بل اعتراف ضمني بأن المؤشرات الميدانية في شرق الكونغو بدأت تتجاوز قدرة الاحتواء التقليدي. ففي إقليم إيتوري وحده، تتحدث المعطيات الرسمية عن مئات الحالات المشتبه بها وعشرات الوفيات، وسط تزايد مقلق لحالات الوفاة الجماعية داخل المجتمعات المحلية، وظهور أعراض متطابقة مع الحمى النزفية التي يسببها الفيروس. الأخطر من ذلك أن العدوى لم تعد حبيسة القرى النائية أو الأحزمة الهشة صحياً، بل وصلت إلى مدن كبرى مثل كامبالا وكينشاسا عبر مسافرين قادمين من مناطق التفشي، في مشهد يعيد إلى الأذهان كوابيس الانتشار الصامت الذي يسبق عادة الانفجار الوبائي.

ورغم أن منظمة الصحة العالمية شددت على أن الوضع لم يبلغ بعد مستوى “الجائحة”، فإن لغة البيان بدت مثقلة بالحذر والقلق. فالمنظمة نفسها تعترف بأن الأرقام الحالية قد لا تعكس الحجم الحقيقي للتفشي، خصوصاً في ظل ضعف أنظمة الرصد، واستمرار النزاعات المسلحة، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق الشرقية للكونغو، فضلاً عن الانتشار الواسع للبنيات الصحية غير النظامية التي قد تتحول، بدل أن تكون خط دفاع، إلى بؤر لنقل العدوى.

وتزداد المخاوف مع تسجيل وفيات وسط العاملين في القطاع الصحي، وهو مؤشر غالباً ما يكشف عن اختلالات في إجراءات الوقاية داخل المؤسسات الطبية. فحين يبدأ الأطباء والممرضون أنفسهم في السقوط تباعاً، تصبح الأزمة أكثر تعقيداً، لأن المنظومة الصحية تتحول تدريجياً من أداة مواجهة إلى ضحية مباشرة للوباء.

لكن ما يجعل هذه الموجة مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط سرعة انتشارها الجغرافي، بل أيضاً طبيعة السلالة نفسها. ففيروس “بونديبوغيو” لا يتوفر حالياً على لقاح معتمد أو علاج نوعي فعال، بخلاف سلالة “إيبولا زائير” التي استفادت خلال السنوات الماضية من تقدم نسبي في الأبحاث الطبية. وهذا المعطى يضع السلطات الصحية أمام سباق مع الزمن، حيث يصبح الرصد المبكر، وتعقب المخالطين، والعزل السريع، الوسائل الوحيدة تقريباً لمنع انفلات الوضع.

المنظمة الأممية حاولت، في المقابل، تجنب إثارة ذعر عالمي شبيه بما حدث خلال أزمات صحية سابقة، لذلك دعت الدول إلى عدم إغلاق الحدود أو فرض قيود شاملة على السفر والتجارة، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات غالباً ما تدفع الناس إلى سلوك معابر غير مراقبة، بما يزيد من صعوبة تتبع العدوى. غير أن الرسالة الضمنية كانت واضحة: العالم مطالب برفع مستوى التأهب فوراً، خصوصاً الدول التي تستقبل تدفقات بشرية من المناطق المتضررة، عبر تشديد المراقبة الصحية في المطارات والمعابر، وتعزيز أنظمة الكشف الوبائي والاستجابة السريعة.

في العمق، لا تبدو أزمة إيبولا الحالية مجرد حادث صحي عابر، بل اختبار جديد لقدرة العالم على التعامل مع الأوبئة قبل أن تتحول إلى كوارث شاملة. فبعد سنوات قليلة فقط من جائحة كورونا، تعود القارة الإفريقية لتقف مجدداً في قلب إنذار صحي دولي، وسط أسئلة ثقيلة حول هشاشة الأنظمة الصحية، وحدود التضامن الدولي، ومدى استعداد العالم فعلاً للتعامل مع وباء جديد قد يبدأ في قرية نائية… قبل أن يطرق أبواب العواصم الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى