الغنبوري: الدولة الاجتماعية ليست توزيعا للمساعدات بل توسيعا لدائرة الإنتاج

حسين العياشي
مواكبة_يتسع الجدل في المغرب، يوما بعد آخر، حول مفهوم “الدولة الاجتماعية”، بعدما تحوّل هذا المفهوم إلى عنوان فضفاض تستعمله جهات متعددة، كل وفق الزاوية التي تخدم تصوره أو خطابه السياسي. وبين من يربطها بالدعم المباشر، ومن يختزلها في برامج المساعدة الاجتماعية، يبرز نقاش أعمق حول جوهر هذا النموذج: هل الدولة الاجتماعية مجرد توزيع للأموال، أم مشروع لإعادة إدماج المجتمع داخل دورة الإنتاج؟
في خضم هذا النقاش، اختار المحلل الاقتصادي علي الغنبوري لغة بسيطة وقريبة من الواقع لتفسير فكرته. فبدل الأرقام الجافة والمصطلحات التقنية، لجأ إلى صورة “المصنع” لتقريب المعنى. وفي تصريحه لـ”إعلام تيفي”، يقول الغنبوري إن الأمر يشبه مصنعا يتوفر على مائة آلة، لكن أربعين آلة فقط هي التي تشتغل. في مثل هذه الحالة، يظل الإنتاج ضعيفا، وتبقى الأرباح محدودة، فيما تتراجع القدرة على منافسة المصانع الأخرى. أما العمال أنفسهم، فلن تكون أوضاعهم جيدة، لأن المصنع بالكاد يحقق مداخيل تسمح له بالاستمرار.
ومن هذا المثال، ينتقل المتحدث إلى الواقع المغربي، معتبرا أن المغرب يعيش وضعا مشابها لهذا المصنع “المعطّل جزئيا”. فبحسب تصوره، لا تتجاوز نسبة المغاربة النشيطين اقتصاديا 42 في المائة، وهم الذين يساهمون بشكل مباشر في إنتاج الثروة وتحريك الاقتصاد، بينما توجد نسبة 58 في المائة خارج دائرة النشاط والإنتاج، أي خارج المساهمة الفعلية في بناء الاقتصاد الوطني.
هنا، يضع الغنبوري تعريفه لما يسميه “الدولة الاجتماعية”. فهذه الدولة، في نظره، ليست تلك التي تكتفي بمنح الأموال أو أداء المصاريف نيابة عن المواطنين بشكل دائم، وإنما الدولة القادرة على خلق الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح بإدماج هذه الفئات الواسعة داخل دائرة الإنتاج. أي أن تتحول الكتلة الموجودة خارج النشاط إلى قوة منتجة، قادرة على الإسهام اقتصاديا واجتماعيا وحتى سياسيا في بناء الدولة.
ويشدد المتحدث، على أن جوهر الدولة الاجتماعية لا يرتبط بثقافة الاتكال أو توسيع دائرة المساعدات فقط، بل بإرادة حقيقية لإشراك أكبر عدد من المغاربة في الإنتاج الوطني، ومنحهم القدرة على العمل وخلق القيمة المضافة، حتى لا يبقوا رهائن الإعانات والدعم الظرفي. فالدولة الاجتماعية، وفق هذا التصور، ليست سياسة لإدارة الفقر، بل مشروع لبناء اقتصاد يُنتج الثروة ويوزع فرص المساهمة فيها بشكل أوسع.
وفي امتداد لهذا الطرح، يرى الغنبوري أن أي حديث عن دولة اجتماعية يفقد معناه إذا ظل الاقتصاد محكوما بالاحتكار والريع، لأن اقتصادا تحتكر خيراته فئة محدودة لا يمكنه أن يخلق عدالة اجتماعية حقيقية. لذلك، فإن الدولة الاجتماعية، كما يقدمها، هي قبل كل شيء اقتصاد تنافسي مفتوح أمام الجميع، اقتصاد “من أجل المغاربة كاملين”، لا اقتصادا تتحكم فيه أقلية تستفيد وحدها من الثروة وفرص النمو.





