لخصم وأوزين يشعلان الأزمة.. وبنكيران يقتنص اللحظة

حسين العياشي

مواكبة_ ليست كل الأزمات السياسية تُقاس بحجم المقعد المتنازع عليه. أحياناً، يكفي خلاف واحد حول تزكية انتخابية لكي يسقط قناع خطاب كامل، ويظهر ما تخفيه الأحزاب خلف الكلمات اللامعة عن الديمقراطية الداخلية والاستحقاق وتكافؤ الفرص. وهذا بالضبط ما حدث في قضية حزب الحركة الشعبية، حيث تحولت معركة يفترض أن تُحسم داخل مؤسسة حزبية إلى عرض سياسي مفتوح، اختلطت فيه الحسابات بالمزايدات، والضغط بالرغبة في الظهور، حتى بدا الجميع وكأنه يركض نحو الضوء أكثر مما يركض نحو المبدأ.

القصة، في ظاهرها، بدأت من عند محمد أوزين الذي صرّح قبل أسابيع بأن التزكية ستُمنح لمن يملك الحظوظ الأكبر للفوز بالمقعد البرلماني. كلام يبدو منطقيا، بل يكاد يكون بديهيا داخل أي حزب يريد إقناع الناس بأنه يحتكم إلى الواقعية السياسية لا إلى الولاءات الضيقة. لكن السياسة لا تُختبر بما يُقال أمام الكاميرات، بل بما يحدث عندما يصل وقت التنفيذ. هنا تحديدا بدأ الارتباك. لأن الاسم الذي أثار كل هذا الجدل، أي مصطفى لخصم، لم يكن مرشحا عاديا يمكن المرور فوقه بسهولة. الرجل يملك حضورا شعبيا واضحا، ونجح خلال السنوات الأخيرة في بناء صورة السياسي القريب من الناس، والذي جاء من خارج الممارسات التقليدية. لذلك، كان من الطبيعي أن يطرح كثيرون السؤال البسيط والمحرج في الوقت نفسه: إذا كان معيار التزكية هو “الأوفر حظاً”، فلماذا بدا حزب الحركة الشعبية مترددا أمام اسم يبدو قادرا فعلا على المنافسة؟

المشكلة هنا ليست في الاختلاف حول المرشحين، فهذا أمر طبيعي يحدث في كل الديمقراطيات، بل في أن المبدأ نفسه بدأ يهتز عند أول اختبار حقيقي. لأن أخطر ما يمكن أن يقع لأي قيادة حزبية ليس أن تغيّر موقفها، بل أن تبدو وكأنها تغيّر قواعد اللعبة نفسها أثناء اللعب. وعندما يحدث ذلك، لا تعود الأزمة مرتبطة باسم مصطفى لخصم وحده، بل تصبح مرتبطة بصورة الحزب كله، وبمدى احترامه للمواقف التي يصدرها لمناضليه وللرأي العام.

لكن، في الجهة الأخرى، لم يتصرف لخصم بدوره كسياسي يريد فقط الدفاع عن حقه داخل المؤسسات. الرجل اختار أن يخرج بالخلاف إلى مساحة أكثر صخبا، وأن يرفع سقف المواجهة بطريقة جعلت القضية تتجاوز حدود النقاش التنظيمي. كان بإمكانه أن يحتج، أن يضغط، أن يعلن غضبه، لكن تحويل المعركة إلى ساحة إعلامية مفتوحة، مليئة بالإشارات الثقيلة والتلميحات، جعله يبدو أحيانا وكأنه يريد إحراج الحزب أكثر مما يريد إقناعه. وفي السياسة، حين يتحول المظلوم إلى طرف يستثمر في الإثارة، فإنه يفقد تدريجيا جزءا من القوة الأخلاقية التي تمنحه تعاطف الناس.

ثم دخل عبد الإله بنكيران على الخط، بالطريقة التي يجيدها دائم؛ لم يخلق الأزمة، لكنه عرف كيف يقف قريبا منها بما يكفي ليستفيد من حرارتها. وحين تحدث عن إمكانية استقبال لخصم داخل العدالة والتنمية، بدا وكأنه يرسل أكثر من رسالة في وقت واحد، يظهر بمظهر الزعيم المنفتح، ويمنح نفسه دور “الملاذ السياسي”، ويلتقط في الآن نفسه ارتباك خصومه ليعيد توظيفه في صورته الخاصة. قد يبدو ذلك ذكاء سياسيا مشروعا، لكنه في النهاية يبقى شكلا آخر من أشكال الاستثمار في الأزمة.

وهكذا، تحولت القضية كلها إلى مشهد غريب، أوزين أعلن مبدأ ثم بدا مترددا في تطبيقه، لخصم نقل المعركة إلى مستوى أكثر ضجيجا، وبنكيران دخل على الخط ليحصد بعض المكاسب الرمزية من الفوضى. الجميع تحدث عن السياسة، لكن السياسة نفسها كانت تغيب شيئا فشيئا وسط هذا الضجيج.

في النهاية، لا أحد خرج منتصرا فعلا. لأن الحزب الذي يبدو مرتبكا في تدبير تزكياته يخسر جزءا من صورته، والمرشح الذي يبالغ في التصعيد يخسر شيئا من رصيده، والسياسي الذي يستثمر في ارتباك الآخرين يربح لحظة ظهور لكنه يكرس، من حيث يدري أو لا يدري، فكرة أن الأزمات الحزبية في المغرب لم تعد تُحل داخل المؤسسات، بل فوق المنصات وأمام الكاميرات.

وربما هنا تكمن المشكلة الحقيقية: لم يعد السؤال من يستحق التزكية، بل من يستفيد من الأزمة أكثر. وعندما تصل السياسة إلى هذه المرحلة، يصبح الجميع رابحا في الظاهر.. وخاسرا في العمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى