تحذير رقمي من أعلى مستوى.. لماذا شبّه السغروشني حماية المعطيات برخصة السياقة؟

حسين العياشي

خبر_ لم يكن تدخل عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مجرد توضيح تقني عابر بشأن منصة “الطرف الثالث الموثوق للمصادقة” وتطبيق “هويتي الرقمية” اللذين أطلقتهما المديرية العامة للأمن الوطني، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب النقاش العمومي حول الهوية الرقمية في المغرب، في لحظة يتداخل فيها الخوف من الاختراق مع القلق من المراقبة، وتختلط فيها حماية المعطيات بالأمن المعلوماتي حتى بات كثيرون يتعاملون مع المفهومين باعتبارهما شيئا واحدا.

السغروشني اختار هذه المرة لغة مختلفة، بعيدة عن المعاجم القانونية الثقيلة. استعان بصورة بسيطة لكنها شديدة الدلالة: رخصة السياقة. فكما أن الرخصة التي تمنحها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تؤكد أهلية السائق ومعرفته بقواعد السير، لكنها لا تمنع وقوع عطب ميكانيكي في السيارة، فإن الترخيص الذي تمنحه اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية يؤطر التزامات الجهة التي تعالج البيانات ويحاصرها قانونيا، لكنه لا يشكل درعا تقنيا ضد الثغرات البرمجية أو الأعطال الأمنية. هنا بالتحديد يرسم الرجل الحدود الفاصلة بين عالمين متكاملين لا متطابقين: حماية المعطيات باعتبارها قضية قانون وحقوق وضمانات، والأمن السيبراني باعتباره مجالا تقنيا يرتبط بالبنية المعلوماتية وأنظمة الحماية.

بهذا التوضيح، يحاول رئيس اللجنة سحب جزء من الالتباس الذي يطفو كلما حدث تسريب أو اختراق رقمي. فالرأي العام، في كثير من الأحيان، يتجه مباشرة نحو هيئة حماية المعطيات باعتبارها المسؤولة المفترضة عن أي خلل، بينما يؤكد السغروشني أن المسؤولية التقنية تقع، عند حدوث اختراق، على مزود أو منظومة الأمن المعلوماتي، لا على الجهة التنظيمية التي تراقب احترام قواعد المعالجة القانونية للبيانات. إنها محاولة للفصل بين “شرعية استعمال المعطيات” و”سلامة البنية التقنية” التي تستضيفها.

لكن خلف هذا النقاش التقني، يلوح سؤال أكبر يتعلق بالشكل الذي يريد المغرب أن يبني به فضاءه الرقمي في السنوات المقبلة. وهنا يستعير السغروشني صورة أخرى أكثر عمقا: المدينة. فالعالم الرقمي، بالنسبة إليه، لا يمكن أن يظل فضاء عشوائيا يشبه “أحياء الصفيح الرقمية”، حيث تتكدس قواعد البيانات وتتكرر نسخ الهويات وتتنقل المعطيات بين المؤسسات بلا ضوابط واضحة. المطلوب، وفق هذا التصور، هو “تعمير رقمي” حقيقي، له طرقه وإشاراته وقواعد مروره، تماما كما يحدث في المدن الحديثة.

ضمن هذا المنطق تبرز وظيفة “الطرف الثالث الموثوق” وتطبيق “هويتي الرقمية”. فالفكرة لا تقوم فقط على تسهيل الولوج إلى الخدمات، بل على إعادة تنظيم حركة الهوية الرقمية نفسها. بدلا من أن تحتفظ كل مؤسسة بنسخة مستقلة من بيانات الهوية الخاصة بالمواطنين، سواء كانت بنكا أو شركة تأمين أو مزود خدمة، تصبح عملية التحقق أكثر مركزية وانضباطا، مع فصل واضح بين معطيات التحقق من الهوية ومعطيات الاستخدام اليومي للخدمات. وهو ما يعني، عمليا، تقليص عدد قواعد البيانات الحساسة المنتشرة، وبالتالي تخفيض احتمالات التسريب أو القرصنة أو انتحال الهوية.

الرسالة التي يبعثها هذا التصور تتجاوز الجانب التقني نحو بعد سيادي واضح. فالمغرب، مثل كثير من الدول، يجد نفسه أمام سباق عالمي محموم حول التحكم في الهوية الرقمية والمعطيات الشخصية، وسط تصاعد نفوذ الشركات التكنولوجية العملاقة ومنصات التتبع والمراقبة. لذلك يقدم السغروشني هذه البنية الجديدة باعتبارها نموذجا يحاول حماية الطابع السيادي للهوية الرقمية، أي إبقاءها تحت إشراف الدولة ومؤسساتها، لا تحت رحمة منصات تجارية أو أنظمة مراقبة شاملة قد تحول المواطن إلى مجرد ملف مفتوح على مدار الساعة.

وفي الخلفية، يبدو أن النقاش لم يعد فقط حول تطبيق أو منصة رقمية، بل حول طبيعة العقد الرقمي الجديد الذي يتشكل بهدوء داخل المجتمع المغربي: كيف يمكن للدولة أن تدفع نحو الرقمنة الواسعة دون أن تفتح الباب لفوضى المعطيات؟ وكيف يمكن للمواطن أن يطمئن إلى أن هويته الرقمية ستظل أداة للخدمة لا وسيلة للتتبع؟ أسئلة يعرف المغرب أنه لن يستطيع تأجيلها طويلا، خصوصا مع تسارع التحول الرقمي الذي بات يفرض نفسه على الإدارات والخدمات والحياة اليومية بأكملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى