أطر التوجيه والتخطيط تدخل على خط الاحتجاج.. تصعيد جديد يهز قطاع التعليم

حسين العياشي

يتجه منسوب التوتر داخل قطاع التربية الوطنية إلى مستوى جديد من التصعيد، مع انخراط أطر التوجيه والتخطيط التربوي في دينامية احتجاجية متصاعدة، في لحظة كان يُفترض فيها أن يشكل النظام الأساسي الجديد مدخلاً لتهدئة الأوضاع وإغلاق عدد من الملفات العالقة. غير أن المؤشرات القادمة من الميدان ترسم صورة مغايرة، حيث تتسع الهوة بين ما تم التعهد به على طاولة الحوار الاجتماعي وبين ما يتحقق فعلياً على المستويين الإداري والمالي.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تراكم حالة من التذمر داخل هذه الفئة التي تجد نفسها، وفق تعبير مصادر نقابية، خارج أولويات المعالجة رغم الأدوار المحورية التي تضطلع بها في توجيه المنظومة التربوية وتخطيط مساراتها. فبدل أن يتحول النظام الأساسي إلى أداة للإنصاف وإعادة الاعتبار، يبدو أنه أعاد طرح الأسئلة نفسها حول العدالة المهنية والإنصاف الوظيفي.

في هذا السياق، أعلنت السكرتارية الوطنية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي، التابعة للنقابة الوطنية للتعليم (CDT)، عن خوض إضراب وطني يومي 5 و6 ماي، مرفوقاً بوقفة احتجاجية ممركزة أمام مقر وزارة التربية الوطنية بالرباط، في خطوة تحمل دلالات واضحة على انتقال الاحتجاج من مستوى التلويح إلى مستوى الفعل الميداني المنظم.

البلاغ النقابي الذي أعلن عن هذه الخطوة لم يخفِ حجم الاحتقان، إذ تحدث عن “تأخر” في تسوية ملفات إدارية ومالية وُصفت بالأساسية، في مقدمتها ملف تغيير الإطار لفائدة المستشارين الذين استكملوا تكوينهم بمركز التوجيه والتخطيط التربوي، مع التشديد على ضرورة تسوية وضعيتهم الاعتبارية والمادية بأثر رجعي ابتداءً من يناير 2024. وهو مطلب يعكس، في عمقه، شعوراً بعدم الإنصاف في تنزيل المقتضيات الجديدة.

ولا يقف التوتر عند حدود هذا الملف، بل يمتد إلى قضايا أخرى لا تزال تراوح مكانها رغم وجود اتفاقات سابقة مع النقابات الأكثر تمثيلية، ما يطرح، بحسب النقابة، إشكالاً في نجاعة التدبير الإداري وقدرته على ترجمة الالتزامات إلى قرارات ملموسة. ويزداد هذا الإحساس حدة مع تسجيل تفاوتات على مستوى صرف التعويضات عن التنقل، حيث تشير المعطيات إلى اختلاف في تنزيل مقتضيات القرار رقم 3075.24 بين الأكاديميات الجهوية، بما يكرس نوعاً من اللاتكافؤ داخل نفس الفئة المهنية.

وفي تصعيد إضافي، دعت الهيئة النقابية أطرها إلى مقاطعة عدد من المهام التي لا تدخل ضمن اختصاصاتهم كما يحددها النظام الأساسي، في رسالة واضحة مفادها أن توسيع دائرة التكليفات دون سند قانوني لن يمر دون رد. كما شملت الدعوة تعليق المشاركة في بعض البرامج التكوينية، بما فيها المرتبطة بمؤسسات “مدارس الريادة”، وهو ما يعكس انتقال الاحتجاج من المطالب القطاعية الضيقة إلى التأثير المباشر على أوراش الإصلاح التربوي.

ويطرح هذا الوضع أكثر من سؤال حول قدرة الوزارة الوصية على احتواء هذا التصعيد قبل تحوله إلى موجة أوسع داخل القطاع، خاصة وأن فئة أطر التوجيه والتخطيط التربوي تمثل أحد الأعمدة غير المرئية في هندسة السياسات التعليمية، وأي توتر داخلها قد ينعكس على توازن المنظومة ككل.

بين وعود الإصلاح وتعثر التنفيذ، يبدو أن قطاع التعليم يدخل مرحلة دقيقة تتطلب أكثر من مجرد تدبير ظرفي للأزمات، بقدر ما تحتاج إلى مقاربة شمولية تعيد بناء الثقة مع مختلف الفاعلين، وتضمن ترجمة الالتزامات إلى واقع ملموس، قبل أن يتحول الاحتقان الصامت إلى أزمة مفتوحة يصعب احتواؤها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى