التحالف الأمريكي المغربي من تعزيز التعاون العسكري إلى الشراكة الاستراتيجية

د. محمد شقير

انعقدت بالعاصمة الأمريكية واشطن أشغال الدورة 14 للجنة الاستشارية للدفاع المغربية-الأمريكية ما بين 14 و16 أبريل 2026. غير أن توقيت هذا الاجتماع الرفيع المستوى على الصعيد العسكري الذي ترأسه الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، مرافقا بالفريق أول المفتش العام للقوات المسلحة الملكية قائد المنطقة الجنوبية، محمد بريظ، مع وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، ، وبعد تسلم المغرب للدفعة الثانية من مروحيات “أباتشي”، وتقاطعه مع التحضيرات الجارية لتنظيم مناورات “الأسد الإفريقي”، بين القوات المسلحة للبلدين ، ليؤكد الطابع الاستراتيجي العميق الذي باتت تكتسيه العلاقات العسكرية بين الرباط وواشنطن التي اتخذت دينامية متصاعدة انتقلت  من علاقات تعزيز علاقات تعاون عسكري إلى تحالف عسكري وجيو ستراتيجي.

1ـ تعزيز التعاون العسكري المغربي الأمريكي

بتزامن مع الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء ، أبرمت شراكة استراتيجية عسكرية بين الولايات المتحدة والمغرب تمتد ما بين سنة  2020 و 2030 ، حيث حصل بموجبها المغرب على أحدث العتاد العسكري الأمريكي كطائرات ف 16 في نسختها المعدلة أو منظومة هيمارس التي ما زالت أي دولة لم تحصل عليها في المنطقة بما فيها اسبانيا . وفي إطار تعزيز هذا التعاون العسكري وافقت الولايات المتحدة على اقتناء المملكة ل 24 من مروحيات أباتشي .. من طراز AH-64E. وقد أجريت يوم الأربعاء 5 مارس 2025 مراسيم استقبال للدفعة الأولى التي تضم 6 مروحيات في القاعدة الجوية الأولى بسلا قرب العاصمة الرباط. حيث جرت هذه المراسيم العسكرية بحضور كبار المسؤولين من المغرب والولايات المتحدة، كان على رأسهم  عبد اللطيف لوديي الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، والفريق أول محمد بريظ المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، والفريق أول محمد حرمو، قائد الدرك الملكي، والفريق جوي محمد كديح، مفتش القوات الملكية الجوية. والجنرال مايكل لانجلي قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا “أفريكوم”، إضافة إلى إيمي كوترونا القائمة بأعمال سفارة الولايات المتحدة بالمغرب. وبالتالي فتنظيم هذه المراسيم في هذا التوقيت وبهذا الحضور والتغطية الإعلامية التي واكبتها حمل عدة دلالات سياسية تتجاوز تسلما تقنيا لست مروحيات عسكرية لتعكس تكريسا لتحالف استراتيجي بين البلدين في إطار متغيرات دولية وإقليمية تهم بالأساس محاربة الإرهاب الدولي بكافة أشكاله خاصة تنظيم داعش الذي تمركز في دول الساحل وأصبحت تداعياته تتوسع لتشمل كل المناطق الافريقية . حيث أصبح التمدد الداعشي لايقتصر فقط على ضرب أهداف عسكرية بمالي وبوريكينافاسو وغيرها من دول الساحل بالإضافة إلى تحركاتها بالصومال التي تم مؤخرا استهداف بعض معاقلها من طرف طائرات أمريكية و كذا نشاط بوكو حرام في دول كنيجيريا ، بل أصبح يهدد الاستقرار بمنطقة شمال افريقيا ولعل تفكيك خليتين بحد السوالم وتوقيف نشطاء بتسع مدن مغربية ليعكس هذا الخطر المحدق خاصة وأن شمال افريقيا تعتبر منطقة محاذية لاوربا التي تعتبر من بين أولويات الاستراتيجية الامريكية.

ولعل هذا الوضع هو الذي دفع بالبلدين إلى تقوية شراكتها العسكرية . الشيء الذي أكده الفريق أول، محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، في الكلمة التي ألقاها خلال حفل هذه المراسيم العسكرية الذي جرى بالقاعدة الجوية الأولى التابعة للقوات الملكية الجوية بسلا،  حيث أشار إلى “أن التسليم الرسمي للدفعة الأولى من مروحيات الهليكوبتر الهجومية من طراز AH-64 أباتشي يشكل نقلة نوعية في مسار تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون العسكري القوي بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية. وأن نجاحنا في تحقيق إنجاز مشروع اقتناء مروحية أباتشي هو لبنة جديدة تنضاف إلى صرح علاقاتنا القوية والمتجذرة”. مضيفا أن “الولايات المتحدة كانت دائما شريكا رئيسيا لبلدنا، ووصول هذه المروحيات اليوم يعزز تعاوننا الدفاعي، ويوضح التزامنا المشترك بعالم يتم فيه بناء السلام من خلال الاستعداد العسكري والمساعدة المتبادلة بين الحلفاء والشركاء”.

وبالتالي فإن حصول المغرب على أحدث النسخ من مروحيات “أباتشي”، وقبلها العديد من الأسلحة الأمريكية المتطورة، يعد ثمرة للتعاون والشراكة العسكرية الطويلة بين الرباط وواشنطن، التي ترى في المغرب شريكًا موثوقًا لتعزيز الأمن والسلم الإقليميين؛ كما تربطها به اتفاقيات عسكرية تتيح له أولوية الحصول على أحدث المعدات القتالية الأمريكية، من أجل تعزيز قدراته العسكرية ومواجهة التحديات الناشئة في المنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه الجنرال مايكل لانجلي قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا “أفريكوم”،  في الكلمة التي ألقاها خلال هذا الحفل حيث اعتبر أن تسلم المغرب لهذه المروحيات يدخل ضمن تقوية الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين المغرب والولايات المتحدة في الدفاع عن الاستقرار الإقليمي للمنطقة الافريقية التي تشكل إحدى أولويات أفريكوم التي أثير مؤخرا إمكانية نقل مقرها من ألمانيا إلى المغرب في إطار الاهتمام الأمريكي بالتمركز بقوة في افريقيا خاصة بعد الانسحاب العسكري الفرنسي من دول الساحل وغرب افريقيا ، وفي ظل التمدد الروسي في بعض دول الساحل ، وكذا منافسة التواجد الصيني بهذه القارة.كما أضاف هذا الجنرال وقائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) بأنه من  “من خلال شراء الأباتشي، اتخذ المغرب خطوة مهمة في الاستثمار في أمنه وأمن المنطقة؛ وهذا الأمر يضع الرباط الآن في مستوى جديد من قدرات القتال، فهذه المروحيات تمنح القوات الجوية الملكية المغربية أداة فتاكة ستمكنها من تعزيز أهدافنا الأمنية المشتركة في المنطقة. فالمغرب شريك حيوي بالنسبة لنا وحليف رئيسي غير عضو في الناتو”.

2ـ تقوية التحالف العسكري الأمريكي المغربي

يأتي اجتماع الدورة 14 للجنة الاستشارية للدفاع المغربية-الأمريكية ما بين 14 و16 أبريل 2026 في سياق جيو سياسي خاص يتميز بارتفاع منسوب التوترات التي تعرفها بعض المناطق ذات الأولوية في الاستراتيجية الأمريكية وعلى رأسها منطقة الخليج التي تواجه تداعيات الحرب الصاروخية والبحرية بين الولايات المتحدة مع حليفتها إسرائيل ضد إيران . وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز تحالفاتها مع شركاء موثوقين، وفي مقدمتهم المغرب. إذ أن المغرب هو الذي عبر عن إدانته بشكل مباشر للضربات الباليستية الإيرانية التي استهدفت القواعد الأمريكية بدول التعاون الخليجي وعبرت عن مساندتها لحلفائها من دول الخليج كالسعودية والامارات    والبحرين . ولعل هذا ما عزز مستوى الثقة الأمريكية في المغرب  خاصة وأن الطرفين يجمعهما اتفاق ابراهام الذي تم إبرامه في نهاية ولاية الرئيس ترامب الأولى.

كما كان المغرب من الدول التي ان انضمت إلى مجلس السلام الذي أسسه الرئيس الأمريكي بعد حرب غزة مما أبرز المغرب  كفاعل إقليمي يتمتع بمقومات الاستقرار السياسي والأمني، ويجعله شريكا أساسيا في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة، سواء على مستوى مكافحة التهديدات الأمنية أو تعزيز الأمن الإقليمي. مما جعل الولايات المتحدة تحرص على تعزيز القدرات العسكرية لحليفها المغربي في منطقة شمال إفريقيا وذلك من خلال تمديد الشراكة العسكرية بين البلدين التي لم تعد محكومة بسقف زمني محدود، بل تم تمديدها إلى غاية سنة 2036، في مؤشر واضح على إرادة سياسية مشتركة لتعميق التعاون الدفاعي بما يتلاءم مع التحولات الجيو-استراتيجية المتسارعة على الصعيد الدولي. كما  يتجسد تمديد هذه الشراكة الأمنية والعسكرية بين الرباط وواشنطن في إطاررؤية موسعة ومندمجة، تؤطرها خارطة طريق للتعاون الدفاعي للفترة 2026-2036، وهي وثيقة تمنح هذه العلاقة طابع الاستدامة والاستمرارية، وتجعلها في منأى عن التقلبات السياسية الظرفية. فخارطة الطريق هذه تهدف، بالأساس، إلى رفع مستوى التشغيل البيني بين الجيشين بما يسمح للقوات المسلحة الملكية بالولوج إلى تقنيات عسكرية حساسة وبرامج تدريبية متطورة، تضعها في مصاف الجيوش الحديثة القادرة على إدارة حروب الجيل الخامس بكفاءة عالية، مع ما يعني ذلك من تكريس فعلي للسيادة الوطنية على كامل التراب. كما أن هذا التحول في الشراكة العسكرين بين البلدين لا يقتصر على الجانب العملياتي، بل يشمل أيضا البعد الصناعي، حيث يتم الانتقال من منطق استيراد السلاح إلى توطين التصنيع والابتكار العسكري.

فالتعاون مع شركات أمريكية كبرى، من قبيل “لوكهيد مارتن”، يدعم إحداث أقطاب صناعية متخصصة بالمملكة، من بينها منصة بنسليمان الموجهة لصيانة وتطوير مقاتلات “F-16“ وطائرات “C-130″، فضلا عن مركز النواصر لتصنيع أجزاء الطائرات. مما يعزز موقع المغرب كقطب إقليمي للصناعات العسكرية، ويوفر للولايات المتحدة شريكا موثوقا يمتلك استقلالية لوجستية وقدرة على دعم العمليات الأمنية في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.

أما على المستوى التكنولوجي، فستواكب هذه الدينامية  طفرة نوعية في إدماج الابتكارات الحديثة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، حيث أصبحت مناورات “الأسد الإفريقي” بمثابة مختبر ميداني لتجريب الأنظمة الروبوتية والطائرات بدون طيار المتطورة. مما سيؤدي إلى تقوية قدرات المراقبة والاستهداف الدقيق، ويعزز موقع المغرب كفاعل محوري في مكافحة الإرهاب والتصدي للتهديدات العابرة للحدود. ولعل هذا التعاون العسكري والأمني يتماشى مع الرفع المتدرج لميزانية الدفاع المغربية خلال السنوات الأخيرة، والتي بلغت برسم سنة 2026ا ما يناهز16 مليار دولار، الشيء الذي يعكس التزاما واضحا من الرباط بتمويل هذا التحول نحو تحقيق السيادة الدفاعية الكاملة. وبالتالي،  فهذا التكامل بين الصناعة العسكرية، والابتكار التكنولوجي، والدبلوماسية الدفاعية، يكرس مكانة المغرب كقوة إقليمية ضابطة، وشريك استراتيجي لا غنى عنه ضمن منظومة الأمن القومي الأمريكي، في ظل تقاطع المصالح بين الطرفين في تأمين الممرات البحرية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مما يمنح المملكة تفوقا نوعيا في بيئة دولية تتسم بتعقيد متزايد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى