روافد الهوية في الدستور

مصطفى عنترة
يشكل التنصيص الدستوري لسنة 2011 على الروافد الاربعة للهوية الوطنية: الإفريقي والأندلسي والعبري والمتوسطي، امتدادا لمقاربة الهوية الموحدة الجامعة. فلم يكتف الدستور بتحديد المكونات الأساسية، بل حرص أيضا على إبراز الأبعاد الثقافية والحضارية المنفتحة التي أغنت الشخصية المغربية عبر التاريخ.
وإذا كانت المكونات تعبر عن الأسس البنيوية الأصيلة للهوية، فإن الروافد تمثل ديناميات التفاعل والانفتاح، الأمر الذي يجعل تحليلها يقتضي الربط بين تشكلها التاريخي ووظيفتها الرمزية وموقعها ضمن النقاشين السياسي والأكاديمي.
في هذا السياق، يبرز الرافد الإفريقي كأحد أهم أبعاد الامتداد الحضاري للمغرب، حيث ارتبطت المملكة تاريخيا بعمقها الإفريقي عبر الروابط التجارية والدينية والانسانية، خاصة من خلال طرق القوافل والزوايا الصوفية… ويعكس هذا الرافد حضورا ثقافيا واجتماعيا متجذرا يتجلى في انماط العيش والتقاليد والتبادل الثقافي.
من الناحية السياسية، اكتسب هذا الرافد أهمية متزايدة في السنوات الاخيرة، مع التوجه الاستراتيجي للمغرب نحو تعزيز حضوره داخل القارة الإفريقية، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي، مما يجعل استحضاره الدستوري أداة لإضفاء الشرعية السياسية على هذا التوجه. كما ينظر إليه باعتباره تعبيرا عن إعادة تموقع الهوية المغربية خارج الانحصار المتوسطي أو العربي، وتأكيدا على تعدد انتماءاتها في إطار مقاربات ما بعد الكولونيالية التي تعيد الاعتبار للروابط جنوب- جنوب.
ويحيل الرافد الاندلسي الى إرث حضاري غني تشكل نتيجة التفاعل التاريخي بين المغرب والاندلس، خاصة بعد سقوط الاندلس وهجرة المسلمين واليهود واستقرارهم في عدد من المدن المملكة، حيث أسهموا في إغناء الحياة الثقافية والفنية والعلمية. ويتجلى هذا الرافد في مجالات متعددة كالموسيقى الاندلسية والعمارة والطبخ واللباس وانماط العيش الحضري.
سياسيا، يوظف هذا الرافد في إبراز صورة المغرب كفضاء للتسامح والتعايش، وكحلقة وصل بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط. كما يندرج ضمن مقاربات الذاكرة الجماعية، حيث ينظر إليه كأحد مكونات الذاكرة التاريخية المشتركة وعنصر يعكس قدرة المجتمع المغربي على استيعاب موجات الهجرة وإعادة انتاجها ثقافيا.
ويجسد الرافد العبري بعدا مهما في تاريخ المغرب، حيث يشكل الوجود اليهودي أحد مكونات النسيج الاجتماعي عبر قرون طويلة. وقد أسهم اليهود المغاربة في مجالات التجارة والثقافة والفنون، مما جعل هذا الرافد جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية.
وقد جاء التنصيص عليه دستوريا في سياق سياسي يروم تثمين هذا الموروث وإعادة الاعتبار له، خاصة في ظل التحولات الدولية المرتبطة بالحوار بين الثقافات والاديان. ويعكس هذا الاعتراف رغبة في إبراز خصوصية النموذج المغربي في التعايش الديني. كما يعد مثالا على التعدد الديني داخل الهوية، ويندرج في إطار التعايش والتسامح وكيفية إدماج الذاكرة اليهودية في التصور الوطني المعاصر.
أما الرافد المتوسطي، فيرتبط بالموقع الجغرافي للمغرب كبلد منفتح على الفضاء المتوسطي، حيث تفاعل عبر تاريخه مع حضارات متعددة، اوروبية وعربية وافريقية. وقد أسهم هذا الانفتاح في تشكيل ملامح ثقافية وحضارية متنوعة، سواء في انماط العيش او في التبادل الفكري والاقتصادي.
من الناحية السياسية، يستحضر هذا الرافد في سياق تعزيز علاقات المغرب مع الفضاء الأوروبي والمتوسطي، مما يجعله عنصرا من عناصر التوازن في السياسة الخارجية. كما ينظر إليه ضمن مقاربات العولمة والتبادل الحضاري، حيث يبرز دور الموقع الجغرافي في تشكيل الهوية، ويؤكد أن المغرب فضاء للتقاطع بين حضارات متعددة.
وانطلاقا من ذلك، يتضح أن هذه الروافد الأربعة (الافريقي والاندلسي والعبري والمتوسطي)، لا تفهم بوصفها عناصر ثانوية، بل كامتدادات دينامية تغني المكونات الأساسية للهوية وتمنحها طابعا منفتحا ومتعدد الابعاد.
يطرح هذا التصور في النقاش السياسي، إشكالات تتعلق بمدى حضور هذه الروافد في السياسات العمومية وحدود تفعيلها في مجالات الثقافة والتعليم والاعلام. كما تثار تساؤلات حول طبيعتها: هل هي مجرد عناصر رمزية توظف في الخطاب الرسمي، أم أنها تعكس بالفعل تفاعلات اجتماعية وثقافية حية، لاسيما وأن التنصيص عليها في الوثيقة الدستورية طرح جملة من الملاحظات؟
وتأسيسا على ما سبق، نخلص الى أن الروافد الأربعة كما اقرها الدستور تعبر عن رغبة في بناء هوية وطنية منفتحة ومتعددة الانتماءات، تتجاوز الانغلاق وتستوعب مختلف الامتدادات الحضارية.
نجاح هذا التصور يظل رهينا بمدى قدرته على الانتقال من مستوى الاقرار الدستوري الى مستوى التفعيل الواقعي، كما يبقى موضوعا مفتوحا للنقاش السياسي بما يجعله عنصرا ديناميا في إعادة تشكيل معنى الانتماء الوطني في مغرب ذي هوية متعددة جامعة وموحدة.
لكن التنصيص على الروافد الأربعة للهوية الوطنية ضمن الوثيقة الدستورية لم يخل من ملاحظات، يمكن إبرز أهمها على النحو الآتي:
أولا، تتمثل إشكالية التمييز بين “المكونات” و”الروافد” في غياب معايير مفاهيمية دقيقة تضبط هذا التصنيف، مما يجعله ملتبسا وقابلا للتأويل. فبعض العناصر المصنفة كروافد، مثل الرافد العبري، تمتلك عمقا تاريخيا وحضاريا مماثلا لما يعد مكونا أساسيا، وهو ما يطرح تساؤلات حول موضوعية هذا التراتب.
ومن المعلوم أن الرافد العبري في السياق المغربي يعد ذا عمق تاريخي وحضاري راسخ، إذ يمتد حضوره لقرون طويلة وأسهم في تشكيل جوانب متعددة من الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، في تفاعل مستمر مع باقي المكونات، خاصة الأمازيغية والعربية. لذلك، فإن اختزاله في مجرد “رافد” بالمعنى الثانوي يثير إشكالا مفاهيميا، ويطرح تساؤلا حول مدى دقة هذا التصنيف، بالنظر إلى وزنه البنيوي في تشكيل الهوية؛
ثانيا، الطابع الرمزي للتنصيص، إذ يرى البعض أن الاعتراف الدستوري بهذه الروافد ظل في حدود الاعتراف الرمزي ولم يواكبه حضور فعلي في السياسات العمومية، خاصة في مجالات التعليم والثقافة والإعلام، وهو ما يكرس فجوة بين النص الدستوري ومستوى التنزيل العملي؛
ثالثا، الانتقائية في تحديد الروافد، حيث يثار تساؤل حول غياب أو تغييب روافد أخرى محتملة، أو حول أسباب حصر الامتدادات الحضارية في أربعة فقط، رغم تعدد الامتدادات التاريخية والثقافية التي عرفها المغرب كالتأثيرات الأوروبية الحديثة، التي أثرت في الإدارة والقانون والتعليم خلال فترات الحماية وما بعدها.
هذا الانتقاء يطرح تساؤلات جوهرية: لماذا تم اعتماد هذه الروافد دون غيرها؟ وهل المعيار هو الامتداد التاريخي، أم حجم التأثير، أم الاعتراف السياسي والمؤسساتي؟ ولماذا لا يتم التعامل مع هذه الامتدادات باعتبارها شبكة متداخلة بدل تصنيفها بشكل انتقائي وتراتبي؟؛
رابعا، تداخل البعد الثقافي بالبعد السياسي، لاسيما فيما يتعلق بالرافد الإفريقي والمتوسطي، حيث يتم استحضارهما أحيانا في سياق التوجهات الاستراتيجية للسياسة الخارجية، مما يثير نقاشا حول حدود توظيف الهوية في دعم الخيارات الإستراتيجية للدولة؛
خامسا، تتسم عبارة “الروافد” في الدستور بنوع من الغموض على مستوى وظيفتها العملية، إذ لا يوضح النص بشكل صريح ما إذا كان المقصود مجرد اعتراف رمزي بالتعدد الثقافي المكون للهوية الوطنية، يهدف إلى الإقرار بالتنوع دون إلزام قانوني مباشر، أم أنه مبدأ معياري ملزم ينبغي أن يوجه السياسات العمومية في مجالات مثل التعليم والثقافة والإعلام؛
سادسا، يتمثل أحد المخاطر المحتملة في إمكانية تحويل “الروافد” إلى عناصر تجزيئية للهوية بدل أن تكون مدخلا لتعزيز وحدتها وتماسكها، إذ إن الاقتصار على تعداد الامتدادات الحضارية والثقافية قد يفهم، في بعض القراءات، على أنه تفكيك للهوية إلى مكونات منفصلة ومستقلة، بدل إبراز تفاعلها وتكاملها داخل إطار جامع.
ويزداد هذا الإشكال حين لا يتم تأطير مفهوم الروافد ضمن تصور تركيبي يوضح كيف تتداخل هذه الامتدادات تاريخيا وثقافيا في بناء هوية وطنية موحدة. وتأسيسا على ذلك، فإن غياب هذا التصور المندمج قد يحول التنوع من عنصر قوة وتكامل إلى مصدر تشظ وتأويلات متعارضة حول طبيعة الهوية ووحدتها؛
سابعا، تتجلى محدودية حضور بعض هذه الروافد في الوعي المجتمعي والمؤسساتي، إذ لا تزال جزء من الامتدادات الثقافية المعترف بها ضعيف الاندماج في التمثلات الجماعية، كما أن حضورها في المناهج التعليمية والإعلام والثقافة العامة يظل محدودا وغير كاف. ويؤدي هذا الوضع إلى جعلها أقرب إلى مجرد اعتراف دستوري رسمي، بدل أن تتحول إلى مكونات حية وفاعلة في الثقافة اليومية والذاكرة الجماعية. وهو ما يعكس فجوة بين الاعتراف النظري بهذه الروافد وبين تفعيلها الفعلي داخل المجتمع ومؤسساته.
إن هذه الملاحظات لا تستهدف تقليص قيمة هذا المكسب الدستوري الهام الذي تضمنته الوثيقة الدستورية في جانبها المرتبط بالهوية، بقدر ما تسعى إلى تعميق النقاش حول شروط تفعيله، بما يضمن الانتقال من الاعتراف الرمزي بالتعدد الثقافي إلى إدماج فعلي ومنسجم داخل السياسات العمومية، مع الحفاظ على وحدة الهوية الوطنية، لأن موضوع الهوية يكتسي طابعا معقدا وحساسا.
هذا الأمر يدفعنا في النهاية الى التأكيد مجددا أن موضوع الهوية يقتضي تدبيرا رشيدا قائما على آليات مؤسساتية وديمقراطية سليمة، قادرة على تأطير الاختلافات وتدبير التعدد في إطار من التوازن، بما يضمن صون التماسك الاجتماعي وتعزيز الاستقرار السياسي، ويجنب في الآن ذاته أي انزلاق أو توتر قد يمس بوحدة المجتمع أو يربك دينامية العيش المشترك.





