الحيرش لـ”إعلام تيفي”: “الفراقشية” أكلوا الأخضر واليابس في دعم اللحوم الحمراء.. ونقل الملف من الفلاحة إلى الداخلية اعتراف بالخروقات

المهدي سابق
خبرــ في ملف تتقاطع فيه أرقام الدعم العمومي مع معطيات التجارة الخارجية، يثير برنامج دعم استيراد الأغنام أسئلة متزايدة حول دقة البيانات الرسمية وفعالية آليات التتبع والرقابة. فبين الأهداف المعلنة المتمثلة في دعم العرض واستقرار الأسعار، وبين الكلفة المالية المرتفعة التي تحملتها الميزانية العامة، تكشف المعطيات المتاحة عن تفاوتات رقمية تعيد النقاش إلى جوهر الحكامة في تدبير المال العام.
كشف الصحفي الإستقصائي يوسف الحيرش، في تصريح لـ”إعلام تيفي”، أن التحقيق الذي أنجزه حول برنامج دعم استيراد الأغنام الموجه لعيد الأضحى، والمنشور في مجلة “ملفات”، رصد تبايناً وصفه بـ”الكبير والمقلق” بين الأرقام التي أعلنتها وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والمعطيات الرسمية الواردة في قواعد بيانات التجارة الخارجية التابعة لمكتب الصرف وإدارة الجمارك.
وأوضح المهندس الحيرش أن وزارة الفلاحة أفادت، في بلاغ صادر بتاريخ 3 أبريل 2025، بأنها صرفت دعماً مباشرا بقيمة 500 درهم عن كل رأس من الأغنام المستوردة، لفائدة 386 ألف رأس خلال سنة 2023، في إطار برنامج استثنائي هدف إلى تعزيز العرض في السوق الوطنية والتخفيف من حدة ارتفاع أسعار الأضاحي.
غير أن المعطيات المستقاة من مكتب الصرف تشير إلى أن عدد رؤوس الأغنام التي دخلت المغرب فعليا خلال الفترة الممتدة من مارس إلى يونيو 2023، وهي الفترة المرتبطة بقرار الإعفاء الجمركي وبالتحضيرات لعيد الأضحى، لم يتجاوز 136 ألف رأس.
ويكشف هذا الفارق عن فجوة تقارب 250 ألف رأس، بما يعادل نظريا نحو 125 مليون درهم وفق قيمة الدعم المحددة في 500 درهم للرأس الواحد، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى انسجام البيانات الرسمية، وقدرة منظومة التتبع العمومي على إنتاج أرقام دقيقة وموحدة وقابلة للتحقق.
وأضاف الحيرش أن هذا التباين يطرح أسئلة جوهرية بشأن كيفية احتساب المستفيدين الفعليين من الدعم العمومي، ومدى احترام مساطر الصرف لمبدأ التحقق المسبق من الكميات المستوردة قبل ربطها بالاستفادة المالية، خاصة وأن الأمر يتعلق ببرنامج رُصدت له اعتمادات مهمة بهدف التدخل في سوق يمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين.
ولفت الحيرش إلى أن الإشكال يتجاوز حدود الأرقام ليطال بنية إنتاج الرقم العمومي ذاته، وكيفية انتقال المعطيات بين مؤسسات يفترض أن تعمل في إطار منظومة متكاملة تضم وزارة الفلاحة، وإدارة الجمارك، ومكتب الصرف، والأجهزة الرقابية والمالية المختصة.
وفي تفسيره لهذا التباين، طرح الحيرش ثلاث فرضيات رئيسية: أولها احتمال صرف الدعم في حالات لا تعكس الحجم الفعلي للواردات المثبتة؛ وثانيها احتمال تسجيل معطيات غير دقيقة على مستوى التصريحات الجمركية خلال مرحلة تخفيف الإجراءات المرتبطة بالإعفاءات؛ وثالثها احتمال احتساب الدعم على شحنات لم توجه فعليا إلى سوق الأضاحي ضمن الفترة الزمنية المستهدفة.
واعتبر الحيرش أن معطيات مكتب الصرف تظل، من الناحية التقنية، الأكثر موثوقية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتدفقات مالية بالعملة الصعبة تمر عبر مساطر بنكية ورقابية متعددة، ما يجعلها أقرب إلى القياس الفعلي لحجم الاستيراد مقارنة بالمعطيات ذات الطابع الإداري.
ونبه الحيرش إلى أن سنة 2023 شكلت محطة مفصلية في هذا الملف، باعتبارها السنة التي لجأ فيها المغرب لأول مرة على نطاق واسع إلى استيراد الأغنام في إطار تدابير استثنائية شملت إعفاءات جمركية وضريبية، بهدف معالجة اختلالات العرض الناتجة عن تراجع القطيع الوطني وارتفاع تكاليف الإنتاج.
غير أن هذا التحول السريع، بحسب المعطيات التي أوردها التحقيق، رافقته تحديات مرتبطة بضبط البيانات وتوحيدها بين مختلف الإدارات، وهو ما أسهم في ظهور تفاوتات بين الأرقام الصادرة عن الجهات الحكومية ومعطيات التتبع المالي والتجاري.
وفي المقابل، تُظهر معطيات سنة 2024 قدراً أكبر من التقارب بين المؤشرات الرسمية، حيث بلغ عدد رؤوس الأغنام المستوردة والمستفيدة من الدعم المباشر 474 ألفا و312 رأسا، بغلاف مالي قدره 237 مليون درهم، وفق الآلية نفسها المعتمدة في صرف 500 درهم عن كل رأس.
كما تفيد الوثائق ذاتها بأن قيمة واردات الأغنام خلال سنة 2024 بلغت نحو 1.94 مليار درهم، في حين تحملت الميزانية العامة للدولة ما يقارب 1.163 مليار درهم في شكل إعفاءات من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، ما يرفع الكلفة الإجمالية للتدخل العمومي إلى أكثر من 1.4 مليار درهم خلال سنة واحدة.
وباحتساب معطيات سنتي 2023 و2024، يتجاوز حجم الدعم المباشر الموجه لمستوردي الأغنام 430 مليون درهم، بينما ترتفع الكلفة الإجمالية بشكل أكبر عند إدراج الامتيازات الجبائية والجمركية المرتبطة بالبرنامج.
وتكشف هذه الأرقام، إلى جانب دلالاتها المالية، عن نقاش أعمق يتعلق بمدى فعالية هذا التدخل العمومي في تحقيق أهدافه المعلنة، وعلى رأسها استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية، مقابل الكلفة المرتفعة التي تتحملها المالية العمومية.
وفي المحصلة، يضع هذا التحقيق ملف دعم استيراد الأغنام في صلب نقاش يتجاوز حدود الأرقام إلى جوهر الحكامة العمومية، من خلال مساءلة فعالية منظومات التتبع والرقابة، وقدرتها على إنتاج بيانات دقيقة وموحدة تسمح بتقييم الأثر الحقيقي للسياسات العمومية، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المال العام.





