جبروت تفتح ملف الذمة المالية وتضع نزار بركة تحت مجهر الشفافية

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في خضم الجدل الذي أثارته تسريبات رقمية نسبت إلى جهات مجهولة، اختار نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، أن يرفع منسوب الخطاب السياسي في مواجهة ما وصفه بحرب سيبرانية تستهدف مؤسسات البلاد.
غير أن ردود الفعل التي أعقبت هذا الخروج أعادت طرح سؤال جوهري حول حدود الخطاب السياسي في معالجة تحديات تقنية وأمنية معقدة، تتطلب مقاربات مؤسساتية دقيقة أكثر من حاجتها إلى توصيفات بلاغية.
تصريح بركة، الذي جاء خلال مناسبة حزبية بمدينة سيدي قاسم إحياء لذكرى 52 لوفاة علال الفاسي، اتسم بنبرة غير معهودة مقارنة بصورته السياسية المعروفة بالهدوء والاعتدال، تحدث عن خفافيش الظلام وحرب غير تقليدية، معتبرا أن ما يجري يدخل ضمن محاولات استهداف مؤسسات الدولة وزعزعة الثقة فيها.
لكن هذا التوصيف، وإن كان ينسجم مع مناخ إقليمي ودولي تتصاعد فيه الهجمات السيبرانية، لم يترافق مع معطيات تقنية أو توضيحات رسمية بشأن طبيعة الوثائق المسربة، ومدى صحتها، وحجم الضرر المحتمل.
المتابعون للشأن العام اعتبروا أن جوهر النقاش لا يكمن فقط في تحديد الجهات المسؤولة عن التسريب، بل في مساءلة منظومة حماية المعطيات داخل المؤسسات العمومية.
بركة وصف الجهات التي تقف وراء هذه المضامين بخفافيش الظلام العنكبوتية، معتبرا أن تصاعد هذه الحملات يتزامن غالبا مع نجاحات يحققها المغرب على المستويات الدبلوماسية أو الرياضية أو التنظيمية.
كما دعا إلى التمييز بين حرية التعبير والنقد المشروع من جهة، وبين ما سماه حملات التبخيس الممنهج من جهة أخرى، مؤكدا أن مواجهة هذه الظواهر تستوجب يقظة جماعية وتعزيزا للوعي الوطني.
غير أن هذا الخطاب لم يأت في فراغ، إذ سبقه نشر حساب يحمل اسم “جبروت” تدوينة مطولة تضمنت اتهامات مباشرة لبركة بشأن مصدر أموال استعملت، وفق ما ورد في المنشور، لاقتناء عقار بمنطقة السويسي بالرباط بقيمة مالية مرتفعة، إضافة إلى مزاعم مرتبطة بطريقة الأداء والمعطيات الضريبية المفترضة.
كما تطرقت التدوينة إلى أسماء وشخصيات سياسية أخرى، في سياق سردية توحي بامتلاك معطيات تفصيلية حول شبكة علاقات ونفوذ. هذه الادعاءات، التي لم تصدر بشأنها توضيحات رسمية مفصلة في حينها، أسهمت في توسيع دائرة الجدل وأعطت لخطاب بركة بعدا دفاعيا يتجاوز التحذير العام من الاستهداف الرقمي.
بين الرواية التي تتحدث عن حملات منظمة تستهدف صورة البلاد ومؤسساتها، والرواية الرقمية التي تطرح أسئلة حول الذمة المالية لمسؤول حكومي، يتسائل الرأي العام حول الطريقة التي تدار بها مثل هذه الأزمات في دولة حديثة تسعى إلى ترسيخ الثقة في مؤسساتها، فحسب متابعين الخوض في قضايا تمس النزاهة المالية يقتضي، من حيث المبدأ، اللجوء إلى الآليات المؤسساتية المختصة بالتصريح بالممتلكات والمراقبة والتدقيق، بما يسمح بالحسم وفق القانون، بعيدا عن منطق الاتهام المفتوح أو الخطاب التعبوي.
كما أن التحدي لا يرتبط فقط بصحة أو زيف معطيات متداولة، بل بمدى جاهزية المنظومة الوطنية لحماية المعطيات الحساسة ومنع الاختراقات، سواء كانت تقنية أو مرتبطة بتسريب معلومات من داخل المؤسسات.
وحسب مراقبون، الأمن السيبراني لا يختزل في توصيفات بلاغية، بل يقوم على بنى تحتية رقمية مؤمنة، واستراتيجيات استباقية، وتنسيق مؤسساتي قادر على الرصد والاستجابة السريعة.
الجدل الذي رافق تصريحات بركة كشف أيضا عن مفارقة سياسية لافتة؛ إذ بدا الخطاب الهجومي الصادر عنه مغايرا للصورة الهادئة التي ارتبطت به في المشهد الحزبي، ما فتح نقاشا حول طبيعة القيادة في زمن الأزمات الرقمية، وحول مدى نجاعة الخطاب السياسي وحده في مواجهة معارك تدور في فضاء افتراضي معقد وسريع التحول.





