أين اختفت مباريات التوظيف بالبرلمان؟ التامني تطالب بالتوضيح

حسين العياشي

مواكبة_ تتحول المناصب المالية التي تخصص سنويا للمؤسسة التشريعية ضمن قوانين المالية، شيئا فشيئا، إلى واحد من أكثر الملفات غموضا تحت قبة البرلمان، بعدما ظلت عشرات المناصب المحدثة حبيسة الرفوف منذ سنوات، دون الإعلان عن أي مباريات توظيف تفتح باب التباري أمام الكفاءات الشابة وخريجي التخصصات المرتبطة بالعمل البرلماني والتشريع والسياسات العمومية.

ومنذ سنة 2021، لم يُعلن البرلمان عن أي مباراة تهم ما يزيد عن 200 منصب مالي تم رصد اعتماداته ضمن الميزانية العامة، رغم استمرار الحاجة إلى موارد بشرية متخصصة قادرة على مواكبة تعقيدات العمل التشريعي والرقابي. وفي المقابل، برز نمط آخر في تدبير هذه المناصب، يقوم، بحسب معطيات متداولة داخل الأوساط البرلمانية، على آلية الإلحاق والاستعانة بموظفين قادمين من قطاعات ومؤسسات أخرى، أو أعوان متعاقدين.. في مشهد يثير أسئلة متزايدة حول معايير الاختيار وحدود تكافؤ الفرص.

خلف هذا الصمت الإداري، تتراكم خيبة جيل كامل من الخريجين الذين اختاروا مسارات أكاديمية مرتبطة بالتشريع والعمل البرلماني، على أمل الولوج إلى مؤسسة يفترض أنها تحتاج إلى كفاءاتهم. غير أن السنوات تمر، والولاية التشريعية الحالية تقترب من نهايتها، دون أي إعلان رسمي يوضح مآل تلك المناصب أو أسباب تجميدها، ما جعل كثيرين يعيشون حالة من الضبابية والإحباط، وسط شعور متنام بأن أبواب المؤسسة تفتح بطرق أخرى، لا تمر دائما عبر المباراة العمومية.

وفي محاولة لفهم خلفيات هذا الملف، تم التواصل مع عدد من المسؤولين البرلمانيين، غير أن أغلبهم تهرب من الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بمصير المناصب المالية المحدثة، فيما كان اللافت أن بعض المسؤولين في مصالح الموارد البشرية أكدوا بدورهم عدم توفرهم على معطيات دقيقة بشأن مآل تلك المناصب العالقة، وهو ما عمّق علامات الاستفهام أكثر مما قدم أجوبة.

وفي هذا السياق، اعتبرت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني أن تجميد هذه المناصب يفرض ضرورة فتح نقاش جدي حول الشفافية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الوظيفة العمومية، مؤكدة أن إحداث منصب مالي داخل قانون المالية يعني أن الدولة خصصت له اعتمادات من المال العام، ما يجعله منصبا قائما قانونيا وماليا، وليس مجرد رقم نظري داخل الوثائق الرسمية.

وفي تصريحها لـ”إعلام تيفي”، أشارت التامني إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن في كون عدد من هذه المناصب يظل مجمدا أو غير معلن بشأنه، دون مباريات أو توضيحات رسمية، وأحيانا لسنوات متتالية، متسائلة عن مصير تلك المناصب ولماذا لا تُفتح أمام الشباب في إطار مباريات عمومية شفافة. وأضافت أن خطورة الوضع تتضاعف في ظل الخصاص الذي تعانيه قطاعات حيوية، وفي وقت يجد فيه آلاف الخريجين أنفسهم في مواجهة البطالة والانتظار، بينما تستمر الدولة في الحديث عن ترشيد النفقات.

وترى المتحدثة ذاتها أن تجميد المناصب أو تحويلها دون إعلان أو تفسير واضح لا يمس فقط بمبدأ الاستحقاق، بل يفتح الباب أمام الشكوك المرتبطة بوجود تدبير غير شفاف، ويؤثر بشكل مباشر على ثقة المواطنين في المؤسسات. وشددت على أن الوظيفة العمومية ليست امتيازا خاصا ولا مجالا للغموض، بل حق دستوري يرتبط بمبادئ تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة سؤالا ظل يتردد بصوت خافت داخل الكواليس البرلمانية، كيف يمكن لمؤسسة تضطلع بصناعة القوانين ومراقبة الحكومة أن تظل عاجزة عن تقديم توضيحات بخصوص مناصب مالية رُصدت لها اعتمادات من المال العام، بينما يظل أصحاب الكفاءات والتخصصات المرتبطة بالعمل التشريعي خارج أسوار البرلمان، ينتظرون مباراة قد لا تأتي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى