
حسين العياشي
مواكبة_تكشفُ قصة مصفاة “سامير” وسوق المحروقات بالمغرب، عاما بعد آخر، عن واحدة من أكثر المفارقات إثارة للاستغراب في تدبير السياسات العمومية. فبينما يتجدد الجدل مع كل ارتفاع للأسعار، وتتعالى أصوات المواطنين المتذمرين من كلفة الوقود، ظل الملف يراوح مكانه رغم تعاقب ثلاث حكومات رفعت شعارات مختلفة وقدمت وعودا متباينة، دون أن تنجح أي منها في كسر حالة الجمود التي تطبع هذا الورش الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، عاد الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، الحسين اليماني، إلى استحضار المسار الذي قاد إلى الوضع الحالي، معتبرا أن الحكومات المتعاقبة تتحمل بدرجات متفاوتة مسؤولية ما آلت إليه الأمور، معتبرا أن مرحلة حكومة عبد الإله بنكيران شهدت حدثين مفصليين سيتركان أثرهما العميق على السوق الوطنية للمحروقات؛ أولهما توقف الإنتاج بمصفاة “سامير”، وثانيهما تحرير أسعار المحروقات دون توفير الضمانات الكفيلة بحماية المنافسة وضبط السوق.
ومنذ تلك اللحظة، بدا وكأن ملف المحروقات دخل منطقة رمادية تتقاطع فيها الحسابات الاقتصادية بالمصالح السياسية. فبدل أن يتحول إغلاق المصفاة إلى جرس إنذار يدفع الدولة إلى البحث عن بدائل تضمن الأمن الطاقي وتحافظ على قدر من التوازن داخل السوق، استمرت حالة الانتظار، بينما كان المستهلك المغربي يواجه تبعات سوق محررة لا يملك أي تأثير على قواعد اشتغالها.
وفي تصريحه لـ“إعلام تيفي”، يذهب اليماني إلى أن حكومة سعد الدين العثماني بدورها لم تخرج عن هذا المسار، بعدما رفضت مناقشة مقترح قانون يقضي بتفويت شركة “سامير” للدولة، إلى جانب مقترح لتنظيم أسعار المحروقات. كما لم تتجه، وفق المصدر ذاته، إلى استثمار خزانات التخزين التابعة للمصفاة بعد استئجارها، ولم تبادر إلى تسقيف الأسعار رغم الجدل الواسع الذي أعقب رأي مجلس المنافسة بشأن قطاع المحروقات.
غير أن الانتقادات لا تتوقف عند حدود الحكومات السابقة. فالحكومة الحالية، التي جاءت وهي تعد بتعزيز نجاعة الاقتصاد وترسيخ المنافسة وحماية القدرة الشرائية، تجد نفسها اليوم في قلب الانتقادات ذاتها. فبعد مرور سنوات على تنصيبها، ما يزال ملف “سامير” معلقاً، وما تزال مطالب مراجعة آليات تنظيم سوق المحروقات تصطدم بجدار الصمت أو التأجيل.
ويؤكد اليماني أن الحكومة الحالية رفضت منذ سنة 2022 مناقشة المقترحين المتعلقين بتفويت “سامير” للدولة وتنظيم أسعار المحروقات، مضيفاً أن الأغلبية البرلمانية أسهمت في إسقاطهما داخل مجلس المستشارين، رغم مصادقة لجنة المالية عليهما بعد إصرار مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.
والواقع أن جوهر الانتقاد الموجه للحكومات الثلاث لا يتعلق فقط بقرارات اتخذت أو مقترحات رُفضت، بل بما يعتبره كثيرون غياباً لرؤية استراتيجية طويلة المدى في قطاع يرتبط بشكل مباشر بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للمملكة. فالمغرب، الذي اختار تحرير الأسعار، لم يحسم في المقابل النقاش حول الأدوات الضرورية لضمان توازن السوق ومنع تغول الفاعلين الأقوى داخلها. كما أنه لم يجد بعد صيغة واضحة للاستفادة من الأصول الصناعية واللوجستية التي تمثلها “سامير”، رغم ما تمنحه من إمكانيات على مستوى التخزين والتكرير والأمن الطاقي.
وبين حكومة حررت الأسعار، وأخرى تجاهلت فرصة إعادة فتح النقاش، وثالثة ترفض إلى اليوم الخوض في المقترحات المطروحة، تبدو قصة “سامير” أقرب إلى عنوان لفشل جماعي ممتد عبر السنوات، أكثر منها مسؤولية حكومة بعينها. فالمتغير الوحيد الذي ظل ثابتاً طوال هذه المرحلة هو المواطن المغربي، الذي وجد نفسه يؤدي فاتورة الاختيارات المتعاقبة، دون أن يحصل على أجوبة مقنعة حول مصير مصفاة كانت يوماً إحدى أهم ركائز السيادة الطاقية للبلاد.





