حسين العياشي
تقرير_ تكشفُ جزيئات سوداء تستقرّ فوق أسطح المنازل بمدينة القنيطرة عن أسئلة ثقيلة تتجاوز لونها القاتم إلى ما قد تختزنه من مؤشرات مقلقة بشأن الهواء الذي يتنفسه السكان يومياً، بعدما سلّط تقرير علمي حديث الضوء على خصائص هذه الرواسب ومصادرها المحتملة، فاتحاً الباب أمام نقاش بيئي وصحي طال انتظاره.
ففي وقت ما تزال فيه شكاوى سكان عدد من أحياء القنيطرة تتردد بشأن ما يُعرف محلياً بـ”الغبار الأسود”، جاءت نتائج دراسة علمية أنجزت في إطار شراكة بين المختبرات الدولية لمنظمة غرينبيس، ومكتب غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وجمعية “أوكسجين للبيئة والصحة” بالمغرب، لتمنح هذا الملف بعداً علمياً يتجاوز الانطباعات والمشاهدات اليومية.
واعتمدت الدراسة على جمع عينات من الغبار الأسود المترسب فوق أسطح عدد من المنازل بالقنيطرة، قبل إخضاع عينتين للتحليل المخبري المتخصص. وقد جرى أخذ العينات يومي 15 و16 غشت 2022 من موقعين مختلفين قريبين من محطة لإنتاج الكهرباء يؤكد سكان المنطقة أنها تعتمد الفيول الثقيل وقوداً لتشغيلها.
ووفق نتائج التحاليل، فإن الخصائص الفيزيائية والكيميائية للجزيئات المدروسة تُظهر تشابهاً لافتاً مع الرماد المتطاير الناتج عن احتراق الفيول الثقيل. ومن بين أبرز المؤشرات التي سجلها الباحثون وجود جسيمات مجوفة وخفيفة تُعرف في الأدبيات العلمية بخصائصها المرتبطة بعمليات الاحتراق الحراري، فضلاً عن احتفاظها ببنيتها نفسها حتى بعد تعريضها لدرجة حرارة بلغت 700 درجة مئوية.
كما رصدت الدراسة مستويات مرتفعة من معدني الفاناديوم والنيكل، وهما عنصران يُعدّان من السمات الكيميائية الشائعة لانبعاثات احتراق الفيول الثقيل، في حين بدت نسب عناصر أخرى مثل الزرنيخ واليورانيوم أقل بكثير من تلك المرتبطة عادة بمخلفات احتراق الفحم.
ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ أظهرت التحاليل أن العينات تحتوي على نسب مرتفعة من الكربون، بلغت في بعضها أكثر من 68 في المائة، مع غياب شبه تام للمركبات العضوية القابلة للاستخراج. وهو ما دفع معدّي التقرير إلى ترجيح أن تكون المادة المدروسة ذات طبيعة غير عضوية وخاملة نسبياً، وإن كانت هذه الخلاصة لا تنفي الحاجة إلى تقييم أشمل لمختلف الملوثات المحمولة جواً.
أما من حيث الحجم، فقد كشفت النتائج أن ما بين 94 و95 في المائة من الجزيئات يقل قطرها عن 355 ميكرومتراً، بينما تراوحت أغلبها بين 63 و250 ميكرومتراً، وهي أحجام تتوافق مع الجسيمات الناتجة عن عمليات الاحتراق الصناعي.
ورغم أن التقرير لا يجزم بشكل قاطع بمصدر هذه الرواسب السوداء، فإنه يضع فرضية ارتباطها بعمليات احتراق الفيول الثقيل في صدارة الاحتمالات العلمية المطروحة، خاصة بالنظر إلى قرب مواقع أخذ العينات من المنشأة الصناعية المذكورة. كما يشدد على أن هذه المؤشرات تستدعي تحقيقاً مستقلاً ومعمقاً لتحديد المصدر الفعلي للتلوث بعيداً عن التخمينات أو الاستنتاجات المتسرعة.
وتنبع أهمية هذه الخلاصات من كون الظاهرة لم تختفِ رغم مرور سنوات على أخذ العينات، إذ تؤكد معطيات ميدانية حديثة استمرار تراكم الغبار الأسود فوق أسطح المنازل بالقنيطرة إلى غاية سنة 2026، ما يمنح نتائج الدراسة راهنية متجددة ويضاعف الحاجة إلى فهم أدق لما يجري في سماء المدينة.
غير أن التقرير يحذر في المقابل من اختزال القضية في الغبار المترسب وحده، موضحاً أن الجسيمات الكبيرة ليست سوى جزء من الصورة. فالجسيمات الأدق والأكثر قابلية للاستنشاق قد تنتقل لمسافات أبعد وتؤثر على نطاق جغرافي أوسع، وهو ما يجعل تقييم جودة الهواء بشكل شامل ضرورة علمية وصحية لا غنى عنها.
وفي ضوء ذلك، أوصى معدّو الدراسة بإطلاق برنامج متكامل لرصد تلوث الهواء بالقنيطرة، يشمل أخذ عينات مباشرة من الهواء وتحليل مختلف الملوثات والجسيمات الدقيقة، إلى جانب نمذجة انبعاثات المنشآت الصناعية المجاورة، وفتح تحقيق مستقل يحدد بدقة مصادر التلوث ويقترح التدابير الوقائية اللازمة.
وبينما يظل الجدل قائماً حول منشأ هذا الغبار الأسود، تطرح نتائج الدراسة سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يتنفس سكان القنيطرة كل يوم؟ فحق المواطنين في هواء نقي لا يبدأ فقط بإزالة التلوث، بل أولاً بفهم طبيعته ومصدره، ثم بإرساء الشفافية الكفيلة بحماية الصحة العامة والبيئة.





