خليهن الكرش يفتعل معركة مع الكاميرا هربا من القضايا الحقيقية

حسين العياشي

مواكبة_ لم يجد المستشار البرلماني خليهن الكرش، وهو يخرج للاحتجاج على زاوية تصوير خلال جلسة دستورية بمجلس المستشارين، حرجا في أن يرفع واقعة تقنية عابرة إلى مرتبة “قضية سياسية”، وأن ينسج حولها سردية كاملة عن التضييق والاستهداف والإقصاء. غير أن ما يثير الانتباه في هذه الواقعة ليس ما يدعيه المستشار من حرمانه من الظهور، بل ذلك الميل المتنامي لدى بعض الفاعلين السياسيين إلى صناعة المعارك الهامشية كلما أعوزتهم القدرة على خوض المعارك الحقيقية.

ففي زمن تتراكم فيه الأسئلة الثقيلة المتعلقة بغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المحروقات، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، اختار المستشار أن ينقل النقاش من فضاء السياسة إلى فضاء الصورة، ومن جوهر التمثيل الديمقراطي إلى تفاصيل الإخراج التلفزي. وكأن أزمة المغاربة لم تعد في الأسعار، بل في اتجاه العدسة.

والمفارقة أن الرجل حاول إضفاء بعد حقوقي وديمقراطي على احتجاجه، متحدثاً عن “حق المعارضة في إيصال رسالتها”. لكن الرسائل السياسية لا تُقاس بمساحة الظهور على الشاشة، بل بوزن المواقف داخل المؤسسة التشريعية. فكم من برلماني غابت صورته وبقي أثره، وكم من آخر ملأ الشاشات والميكروفونات ولم يترك وراءه سوى الضجيج.

الأخطر من ذلك أن المستشار سعى، بوعي أو بغير وعي، إلى جر المؤسسة العمومية المكلفة بالبث إلى حلبة الاستقطاب السياسي، وكأن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة طرف في صراع سياسي أو خصم يجب مساءلته. والحال أن “لاريجي” ليست هيئة حزبية ولا تنظيما نقابيا حتى تُنسب إليها النوايا أو تُحمّل مسؤولية رسائل احتجاجية لم تظهر كما أراد أصحابها. فالمؤسسات العمومية تُحاسب على احترام دفاتر التحملات والمعايير المهنية، لا على مدى نجاح هذا الفريق أو ذاك في تسويق رموزه وشعاراته أمام الكاميرات.

إن ما جرى يكشف، في العمق، نزعة مقلقة نحو تحويل السياسة إلى فرجة، والنضال إلى مشهدية، والعمل البرلماني إلى سباق محموم نحو احتلال الصورة. وهي نزعة لا تعكس أزمة بث أو تصوير بقدر ما تعكس أزمة أولويات. ذلك أن السياسي الذي يعجز عن فرض حضوره بقوة الترافع يلجأ غالباً إلى الترافع من أجل حضوره.

ثم إن الادعاء بوجود استهداف ممنهج بسبب مواقف سياسية أو مقترحات أثارت نقاشا عموميا يظل ادعاء يحتاج إلى ما هو أكثر من تأويل زاوية تصوير أو اجتزاء لقطة تلفزية. فالدولة لا تُدار بالكاميرات، والمؤسسات لا تبني قراراتها على الشارات المرفوعة داخل القاعات، والشرعية السياسية لا تُستمد من عدد الثواني المخصصة للظهور على الشاشة.

لقد كان بإمكان المستشار أن يجعل من منبره البرلماني منصة للدفاع عن الملفات التي تؤرق المغاربة، وأن يخوض معارك ذات كلفة سياسية حقيقية دفاعا عن الفئات المتضررة من الغلاء والاحتكار والهشاشة الاجتماعية. لكنه اختار، للأسف، أن يستبدل صخب القضايا الكبرى بضجيج التفاصيل، وأن يبحث عن البطولة في موضع لا بطولة فيه.

ولعل أكثر ما يختزل هذه الواقعة أن المواطن الذي تابعها لم يسأل: لماذا لم تظهر الشارة؟ بل سأل سؤالاً أبسط وأكثر إيلاما: ماذا قدم لنا من كان يحملها؟

ذلك هو السؤال الذي يؤرق الرأي العام اليوم. أما الكاميرا، فليست سوى شاهد صامت على زمن صار فيه بعض السياسيين منشغلين بكيف يظهرون أكثر من انشغالهم بما يقولون، وبما يحققونه لمن انتخبوهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى