
اعلام تيفي
خبر _ لم يكن أكثر ما أثار الانتباه في اللقاء الذي نظمه حزب التجمع الوطني للأحرار، يوم الأربعاء بمدينة وجدة، لتقديم الالتزام الثاني من برنامجه السياسي الجديد، هو ما قيل فوق المنصة، بل ما ظهر حولها. فالكراسي الفارغة التي طبعت جوانب القاعة بدت أكثر بلاغة من الخطب، والغيابات اللافتة لعدد من المنتخبين والبرلمانيين والوجوه الحزبية كانت أبلغ من الشعارات المرفوعة.
وما زاد من دلالة هذا المشهد أنه لم يكن الأول من نوعه. فقبل أسبوع فقط، وخلال محطة فاس التي أطلق منها الحزب أولى حلقات برنامجه التواصلي، سجلت ملاحظات مماثلة بشأن الحضور والتعبئة، ما جعل لقاء وجدة يبدو امتدادا للمشهد نفسه أكثر من كونه استثناء عابرا.
وبينما كان الحزب يسعى إلى إعطاء الانطلاقة الرمزية لمسار انتخابي جديد، بدا وكأنه يصطدم بأول اختبار حقيقي اختبار الثقة في حصيلته السياسية والحكومية. فالحزب الذي قدم نفسه قبل خمس سنوات باعتباره حامل مشروع سياسي جديد، يعود اليوم ليعرض برنامجا انتخابيا جديدا، وكأن السنوات التي قاد خلالها الحكومة لم تكن كافية لتقديم حصيلة تقنع المواطنين بضرورة تجديد الثقة فيه.
لقد أراد “الأحرار” أن يفتح صفحة جديدة، لكنه وجد نفسه مضطرا قبل ذلك إلى مواجهة صفحات قديمة لم تطو بعد. فالمغاربة الذين استمعوا إلى الوعود الكبرى خلال انتخابات 2021 لا ينتظرون اليوم وعودا إضافية بقدر ما ينتظرون أجوبة واضحة عن مصير الوعود السابقة التي قيل إنها ستغير وجه الاقتصاد وتحسن القدرة الشرائية وتوسع الطبقة الوسطى وتخلق فرص الشغل.
وإذا كانت الأحزاب تقاس عادة بقدرتها على إقناع المواطنين، فإنها تقاس أولا بقدرتها على إقناع قواعدها ومنتخبيها. لذلك لم يكن مشهد المقاعد الخالية مجرد تفصيل تنظيمي عابر، بل رسالة سياسية صامتة تعكس حجم الفتور الذي بدأ يتسلل إلى صفوف حزب يقود الحكومة منذ سنوات. فحين تغيب وجوه حزبية ومنتخبون وبرلمانيون عن لقاءات يفترض أنها تؤسس لمعركة انتخابية جديدة، فإن ذلك يطرح أسئلة تتجاوز التنظيم إلى الثقة نفسها داخل البيت الحزبي.
الأهم من ذلك أن هذه اللقاءات أعادت إلى الواجهة سؤالا أساسيا بأي منطق يعود الحزب اليوم إلى فتح دفتر الوعود الانتخابية؟ فحين يطلب حزب من المواطنين فرصة جديدة، يكون مطالبا أولا بتقديم كشف حساب واضح بشأن الفرصة السابقة. أما الانتقال مباشرة إلى الحديث عن مشاريع جديدة والتزامات جديدة، فإنه يوحي وكأن الحصيلة لم تعد كافية للدفاع عن نفسها.
لقد جاء التجمع الوطني للأحرار إلى السلطة على وقع وعود كبيرة. وعود بتوسيع الطبقة الوسطى، وتحسين القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وخلق مليون منصب شغل، والارتقاء بالخدمات العمومية. غير أن السنوات التي أعقبت ذلك حملت واقعا مختلفا بالنسبة إلى فئات واسعة من المغاربة. فقد ارتفعت الأسعار بشكل متواصل، وتزايدت الضغوط على الأسر، وأصبحت القدرة الشرائية واحدة من أكثر القضايا حضورا في النقاش العمومي.
ومع كل محطة جديدة، يعود الحزب إلى الحديث عن مشاريع مستقبلية وأهداف جديدة، وكأن ما قدمه خلال السنوات الماضية لم يكن سوى مقدمة لما سيأتي. غير أن المواطن الذي يواجه يوميا ارتفاع تكاليف المعيشة لا يحاكم الحكومات على أساس ما تعد به مستقبلاً، بل على أساس ما أنجزته فعلاً عندما كانت تملك سلطة القرار.
وفي خضم هذا الواقع، لا يتردد الحزب في تقديم الدعم الاجتماعي المباشر باعتباره أحد أبرز منجزات المرحلة. غير أن هذا الخطاب يثير بدوره أسئلة جوهرية. فالدعم الذي يقدم من المال العام ومن موارد الدولة ليس منة من حزب سياسي ولا هبة انتخابية، بل سياسة عمومية تمول من أموال المغاربة. كما أن أثر هذا الدعم ظل محدوداً في نظر كثيرين أمام الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الأساسية والخدمات والمحروقات.
وخلال محطة وجدة، أكد محمد أوجار أن “برنامج الأحرار” يهدف إلى الارتقاء بالنقاش العمومي وتقديم التزامات واضحة تحترم ذكاء المواطنين وتؤسس لممارسة سياسية قائمة على الوفاء بالالتزامات. كما شدد على أن البرنامج يستند إلى حصيلة حكومية وإنجازات تحققت خلال السنوات الماضية.
غير أن الحديث عن احترام ذكاء المواطنين يفرض بدوره سؤالا بسيطا إذا كانت الحصيلة بهذا الحجم من النجاح الذي يتحدث عنه قادة الحزب، فلماذا الحاجة إلى تسويق وعود جديدة بالزخم نفسه الذي رافق انتخابات 2021؟ ولماذا يبدو الخطاب أقرب إلى حملة انتخابية استباقية منه إلى عرض حصيلة حكومية مكتملة المعالم؟
كما أن التأكيد على أن البرنامج الجديد يستند إلى حصيلة حكومية يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة هذه الحصيلة نفسها. فإذا كانت قيادة الحزب تعتبر ما تحقق مدعاة للاعتزاز، فإن جزءا مهما من الرأي العام ما زال يربط هذه المرحلة بغلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية واستمرار اختلالات عدد من الخدمات العمومية، وهي ملفات ظلت حاضرة بقوة رغم مرور سنوات على تولي الحزب قيادة الحكومة.
أما الحديث عن الدولة الاجتماعية والخدمات العمومية ذات الجودة العالية، فإنه يظل بالنسبة إلى كثير من المواطنين أقرب إلى الوعود المتجددة منه إلى واقع معاش. فالدولة الاجتماعية لا تقاس بعدد اللقاءات الحزبية ولا بحجم الخطابات، بل بمدى شعور المواطن بأن حياته أصبحت أفضل وأن الخدمات التي يتلقاها أصبحت أكثر جودة وأيسر ولوجا وأقل كلفة.
لقد أراد حزب التجمع الوطني للأحرار من جولته التواصلية أن يقدم نفسه باعتباره حامل مشروع للمستقبل. لكن ما ظهر في وجدة، وقبلها في فاس، أعاد طرح أسئلة الحاضر. فبين خطاب يتحدث عن الإنجازات والآفاق الكبرى، وصور تكشف غياب عدد من المنتخبين والبرلمانيين ووجود مقاعد فارغة في القاعات، بدت الرسالة السياسية مختلفة عما أراد الحزب تسويقه.
وفي السياسة، قد تنجح الكاميرات أحيانا في إخفاء بعض المقاعد الفارغة داخل القاعات، لكنها تعجز عن إخفاء حقيقة أكثر عمقا أن الثقة لا تبنى بالوعود الجديدة، بل بالوفاء بالوعود القديمة. وحين تصبح الحاجة إلى تسويق المستقبل أكبر من القدرة على الدفاع عن الحاضر، فإن الأسئلة التي تطرحها الكراسي الفارغة تصبح أبلغ من كل الخطب.





