
أميمة حدري
قال الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والأنظمة الصحية، إن التوقيت الصيفي فقد جزءا كبيرا من المبررات الاقتصادية التي كانت تستخدم لعقود في الدفاع عنه، مؤكدا أن استمرار العمل به يطرح اليوم تحديات صحية واجتماعية متزايدة، خاصة في ما يتعلق بالنوم والتركيز وجودة الحياة اليومية للمواطنين.
وأوضح حمضي، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن الحجة التقليدية المرتبطة بتوفير الطاقة لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها في السابق، بالنظر إلى التحولات التي عرفتها أنماط الاستهلاك خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن الإضاءة أصبحت أقل استهلاكا للكهرباء بفضل انتشار المصابيح الاقتصادية وتقنيات “LED”، في حين ارتفع الاعتماد على المكيفات والأجهزة الإلكترونية ووسائل النقل، وهو ما غير طبيعة الاستهلاك الطاقي بشكل واضح.
وأكد المتحدث أن النقاش حول الساعة القانونية لم يعد شأنا تقنيا أو إداريا صرفا، بل تحول إلى قضية ترتبط بشكل مباشر بالصحة العامة والإيقاع البيولوجي للمجتمع، موضحا أن التوقيت الصيفي يفرض فارقا دائما مع التوقيت الشمسي الطبيعي، الأمر الذي ينعكس على الساعة البيولوجية للإنسان ويؤثر على جودة النوم واليقظة الصباحية.
وأشار حمضي إلى أن الأطفال والمراهقين يوجدون في مقدمة الفئات المتضررة من اختلال التوقيت، بحكم طبيعة إيقاعهم البيولوجي الذي يميل إلى النوم والاستيقاظ المتأخرين، مضيفا أن الاضطرار إلى الاستيقاظ في ساعات مبكرة وقبل شروق الشمس يؤدي إلى تراكم التعب وقلة النوم، وهو ما قد ينعكس على التركيز والتحصيل الدراسي والسلوك داخل الفصول الدراسية.
كما سجل الباحث في السياسات الصحية أن آثار التوقيت الصيفي لا تقتصر على التلاميذ فقط، بل تشمل أيضا العمال والموظفين والسائقين ومستخدمي وسائل النقل العمومي، مبرزا أن بداية اليوم في الظلام تقلل من مستوى اليقظة وترفع من مخاطر حوادث السير وحوادث الشغل والتنقلات الصباحية.
وأضاف حمضي أن عددا من الدراسات الدولية ربطت بين التغيير المفاجئ للساعة وبين ارتفاع بعض المشاكل الصحية، من بينها اضطرابات النوم والتوتر وحوادث القلب والشرايين، معتبرا أن تغيير التوقيت قد يشكل عاملا مضاعفا لدى الأشخاص الذين يعانون أساسا من الإرهاق أو نقص النوم المزمن.
وفي قراءته للواقع المغربي، اعتبر حمضي أن التوقيت الشتوي يبدو أكثر انسجاما مع الخصوصيات الاجتماعية والصحية للبلاد، بالنظر إلى أهمية الفئة المتمدرسة وطبيعة الأنشطة المرتبطة بالفلاحة والعمل الميداني والتنقلات الصباحية، موضحا أن توفير الضوء الطبيعي في ساعات الصباح الأولى يساهم في تحسين اليقظة وتعزيز الإحساس بالراحة وتقليص الضغط اليومي الذي يعيشه المواطنون.
ولفت المتحدث إلى أن عددا من الدول الأوروبية لم ينجح إلى حدود اليوم في الحسم النهائي في مسألة إلغاء تغيير الساعة مرتين في السنة، بسبب تباين المصالح الاقتصادية والاجتماعية بين الدول، ما يعكس تعقيد هذا الملف وتشابكه مع قضايا الصحة والنقل والتنظيم المهني والعادات المجتمعية.
وخلص حمضي إلى أن أي قرار مرتبط بالتوقيت القانوني ينبغي أن يستند إلى معطيات علمية وصحية دقيقة، تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المواطنين وجودة عيشهم، مؤكدا أن الهدف لا يجب أن يقتصر على البحث عن مكاسب اقتصادية ظرفية، بل ينبغي أن يشمل أيضا حماية الصحة العامة وضمان انسجام أكبر مع الإيقاع الطبيعي للحياة اليومية.





