بنعليلو: الإصلاح الجبائي يبدأ من الثقة لا من رفع الضرائب

حسين العياشي

خبر_ راهن محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، على استعادة الثقة بين الدولة والملزمين باعتبارها المدخل الحقيقي لإنجاح الإصلاح الجبائي بالمغرب، مؤكداً أن مستقبل المنظومة الضريبية لا يتحدد بكثرة التعديلات القانونية أو البحث عن موارد مالية جديدة، بقدر ما يرتبط بقدرة الدولة على إرساء شعور جماعي بالإنصاف والعدالة في تحمل الأعباء والاستفادة من الحقوق.

وخلال افتتاحه أشغال المنتدى الثالث لأساتذة المالية العامة بمدينة طنجة، المنعقد تحت شعار “السياسة الجبائية في المغرب على محك المواطنة الضريبية”، شدد بنعليلو على أن الضريبة لم تعد مجرد أداة لتمويل الميزانية، بل أصبحت مقياساً لمدى متانة العلاقة التي تربط المواطن بالدولة، وعنواناً لمدى اقتناع الملزمين بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن الأعباء العمومية توزع وفق قواعد عادلة ومتوازنة.

وأوضح أن نجاح أي إصلاح جبائي لا ينبغي أن يقاس بحجم النصوص القانونية التي يتم تعديلها، وإنما بقدرته على ترسيخ الامتثال الضريبي الطوعي، وتغيير سلوك الملزمين عبر تعزيز إحساسهم بالعدالة، بما يحد من مظاهر التهرب الضريبي ويقوي الثقة في المؤسسات.

وفي هذا السياق، اعتبر رئيس الهيئة أن الإدارة الضريبية مطالبة بتحسين تجربة المرتفق، عبر تبسيط المساطر، وتوضيح الإجراءات، وتوحيد التأويلات القانونية، فضلاً عن تسريع البت في المنازعات الجبائية، بما يجعل العلاقة بين الإدارة والملزم قائمة على الوضوح والشفافية والنجاعة، بدل التعقيد والارتياب.

وأكد بنعليلو أن العدالة الجبائية لا تستقيم إلا بتوافر ثلاثة مقومات متلازمة، تتمثل في توزيع منصف للعبء الضريبي، وضمان خدمات عمومية ذات جودة يستفيد منها الجميع، ثم التطبيق المتساوي للقانون دون تمييز أو امتياز. ولفت إلى أن أي اختلال يصيب أحد هذه الأعمدة كفيل بإضعاف الثقة في النظام الضريبي برمته.

وفي معرض حديثه عن توسيع الوعاء الضريبي، أوضح أن الغاية لا تكمن في تعظيم المداخيل العمومية فحسب، وإنما في تحقيق الإنصاف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، محذراً من أن استمرار جزء من الأنشطة خارج المنظومة الجبائية يفضي عملياً إلى تحميل الملتزمين وحدهم أعباء إضافية، بما يكرس شعوراً بعدم المساواة ويقوض مبدأ العدالة الضريبية.

كما دعا إلى إخضاع الإعفاءات والتحفيزات الضريبية لتقييم دوري يحدد مدى جدواها الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً أنها تظل آليات مشروعة متى استندت إلى مبررات واضحة، لكنها قد تتحول إلى امتيازات غير مبررة تمس بمبدأ تكافؤ الفرص إذا استمرت دون مراجعة أو مساءلة.

وربط بنعليلو بين الفساد والتهرب الضريبي والاقتصاد غير المهيكل، معتبراً أنها ليست سوى تجليات مختلفة لإشكال واحد يتمثل في هشاشة احترام سيادة القانون، مشدداً على أن ترسيخ النزاهة يشكل شرطاً أساسياً لتعزيز الشرعية الجبائية وتقوية الثقة في المؤسسات.

ودعا، في المقابل، إلى اعتماد مقاربة استباقية في تدبير المخاطر الجبائية، تقوم على توظيف المعطيات وتكامل قواعد البيانات ورصد مكامن الهشاشة قبل تحولها إلى بؤر للفساد أو التهرب، بما يرفع من نجاعة التدخل العمومي ويعزز فعالية السياسات الجبائية.

واختتم رئيس الهيئة مداخلته بالتأكيد على أن الاستثمار الأكثر جدوى في المجال الضريبي ليس استثماراً مالياً، وإنما استثمار في الثقة، معتبراً أن النظام الجبائي الذي يحظى بثقة المواطنين هو الأقدر على توسيع الوعاء الضريبي، وترسيخ الامتثال الطوعي، وصون سيادة القانون، وجعل الضريبة رافعة للتنمية وتجسيداً فعلياً للمواطنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى