مجلس المنافسة يدعو إلى إعادة هندسة الولوج إلى مهنة المحاماة ويقترح إصلاحا يوازن بين استقلالية المهنة وحرية المنافس

مديحة المهادنة

خبر_لم يعد مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة يُناقش باعتباره نصا يؤطر شؤون هيئة مهنية فقط، بل تحول إلى ملف يطرح أسئلة أوسع تتعلق بحرية المنافسة، وولوج الكفاءات إلى سوق الخدمات القانونية، ومدى قدرة الإطار التشريعي الجديد على مواكبة التحولات التي يعرفها قطاع العدالة والاقتصاد. وفي هذا السياق، أصدر مجلس المنافسة رأيا مفصلا اعتبر فيه أن تنظيم المهنة ينبغي أن يستجيب لمتطلبات الاستقلالية المهنية، دون أن يتحول إلى مدخل لفرض قيود غير مبررة تحد من المنافسة أو تعيق تطور سوق الخدمات القانونية.

وانطلق المجلس في تقييمه من دراسة شاملة لمشروع القانون، مدعومة بتحليل اقتصادي وقانوني ومقارن، بعد تلقيه طلبين لإبداء الرأي من الفيدرالية الديمقراطية للشغل والنقابة الوطنية للتعليم العالي، يتعلقان أساسا بشروط الولوج إلى المهنة، وعلى رأسها شرط السن، والمسالك البينمهنية، وشروط ولوج الأساتذة الجامعيين. غير أن المجلس وسع نطاق دراسته ليشمل مختلف المقتضيات التي يمكن أن تؤثر في تنافسية سوق الخدمات القانونية، معتبراً أن أي إصلاح لهذا القطاع لا يقاس فقط بمدى تنظيمه للمهنة، وإنما أيضاً بقدرته على تحقيق التوازن بين حماية المرفق القضائي وضمان الانفتاح الاقتصادي وتكافؤ الفرص.

ولم يكتف مجلس المنافسة برصد الإشكالات المطروحة، بل استند إلى دراسة لواقع سوق الخدمات القانونية بالمغرب، مدعومة بمعطيات إحصائية ومقارنات مع تجارب تشريعية دولية، شملت نماذج من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة وسنغافورة وتونس. وخلص إلى أن عددا من القيود المرتبطة بالولوج والممارسة يستوجب إخضاعه لاختبار التناسبية، بما يضمن أن تكون هذه القيود مبررة وضرورية لتحقيق أهداف المصلحة العامة، دون أن تؤدي إلى الحد من المنافسة أو تقليص فرص الولوج إلى المهنة دون سند موضوعي.

في ضوء هذه الخلاصات، دعا المجلس إلى اعتماد مقاربة إصلاحية متدرجة تتجاوز تعديل بعض المقتضيات القانونية نحو معالجة الاختلالات البنيوية التي ما تزال تؤثر في تنظيم المهنة ودينامية السوق. وشدد على ضرورة مراجعة شروط الولوج بما يعزز الكفاءة وتكافؤ الفرص، وتطوير الإطار المنظم لممارسة المحاماة، وتحسين شفافية العلاقة بين المحامي والموكل، إلى جانب تحديث حكامة المساعدة القضائية، وتعزيز التوازن المجالي، ورقمنة الخدمات القانونية، وتطوير البنية التنظيمية والاقتصادية للمهنة، بما يسمح برفع جودة الخدمات القانونية وتعزيز تنافسيتها.

ويؤكد رأي مجلس المنافسة أن مستقبل مهنة المحاماة لم يعد مرتبطا فقط بالحفاظ على تقاليدها واستقلاليتها، بل أصبح رهينا أيضا بقدرتها على الانخراط في دينامية الإصلاح التي تعرفها منظومة العدالة، والاستجابة لمتطلبات اقتصاد أكثر تنافسية وانفتاحا. ومن هذا المنطلق، يضع المجلس أمام المشرع تصوراً يعتبر أن تحديث المهنة لا يتحقق عبر تشديد شروط الولوج وحدها، وإنما من خلال بناء منظومة قانونية توازن بين حماية المهنة، وضمان حق الكفاءات في الولوج إليها، وتمكين المواطنين والمقاولات من خدمات قانونية أكثر جودة ونجاعة، بما ينسجم مع رهانات الإصلاح القضائي وتحسين مناخ الأعمال بالمملكة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى