عمر بوتموزغت… صاحب “سامحي يا يما” يصارع السرطان في رحلة علاج بين الخميسات والرباط (بورتريه)

المهدي سابق

عندما يخفت صوت الوتار، لا يصمت فنان واحد، بل تخفت معه ذاكرة كاملة. ومنذ أشهر، لم تعد حياة الفنان الأمازيغي عمر بوتموزغت كما كانت. فقد أخذ المرض يتسلل إلى جسده بصمت، مستنزفا قواه شيئا فشيئا، حتى أصبحت رحلاته المتكررة بين الخميسات والرباط جزءا من يومياته، يتردد خلالها بشكل دوري على قسم المستعجلات لتلقي العلاجات الضرورية التي يفرضها وضعه الصحي بعد إصابته بمرض السرطان. لم يعد الرجل الذي اعتاد أن يحمل صوته إلى المنصات ويحيي ليالي الأطلس المتوسط يحمل سوى أوجاع جسد أنهكه المرض، بينما يترقب محبوه والأسرة الفنية أن يحظى بالالتفاتة التي تليق برجل أفنى عمره في خدمة الأغنية الأمازيغية.

تتآكل قواه يوما بعد آخر، وتتراجع قدرته على مقاومة الألم الذي لم يعد يثقل جسده وحده، بل أثقل أيضا قلوب أسرته وأصدقائه وكل من يعرف قيمة هذا الاسم داخل الذاكرة الفنية المغربية الاْمازيغية. وبين كل موعد للعلاج وآخر، تتكرر رحلة المعاناة نفسها، رحلة لا تختصرها المسافات بين الخميسات والرباط، بل تختصر سنوات طويلة من العطاء، انتهت بأن يجد أحد أبرز أصوات الأطلس نفسه في مواجهة معركة قاسية مع المرض، بعدما قضى حياته يغني للحب والإنسان والأرض والهوية.

من أحيدوس إلى الوتار… رحلة صوت حمل هوية الأطلس المتوسط

ليست المأساة في أن يمرض الفنان، فالمرض قدر إنساني لا يستثني أحدا، لكن المأساة تبدأ حين يتحول المرض إلى مرآة تعكس حجم الوفاء الذي يكنه المجتمع لمبدعيه. ففي لحظات الضعف، يسقط كل ما هو عابر، ولا يبقى سوى السؤال الجوهري: ماذا قدم هذا الإنسان لوطنه؟ وهل يجد الوطن، حين يحتاجه، حاضرا إلى جانبه؟ إنها أسئلة لا تخص عمر بوتموزغت وحده، بل تطال مكانة الفن نفسه داخل الوعي الجماعي، وتعيد فتح النقاش حول مسؤولية صيانة من حملوا الذاكرة الثقافية للأجيال، أولئك الذين حفظوا جزءا من هوية المغرب بأصواتهم وأعمالهم، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة المرض بعيدا عن الأضواء.

في الثقافة الأمازيغية، لم يكن الشعر ترفا لغويا، ولم تكن الأغنية مجرد وسيلة للتسلية. فقد ظل الشعر، عبر قرون، ديوان الأمازيغ، تحفظ فيه الحكايات، وتوثق به الوقائع، وتتناقل عبره الحكم والقيم، بينما كانت الأغنية ترافق الإنسان في الحقل لاْن للمجتمعات الزراعية خصوصيتها، في الأعراس، وفي مواسم الفرح، وحتى في لحظات الحزن والمقاومة. ومن هذا الإرث العريق خرج عمر بوتموزغت، مؤمنا بأن الفنان ليس مجرد مؤد، لكنه حارس لذاكرة جماعية، يحملها من جيل إلى آخر، ويمنحها صوتا لا تستطيع الكتب وحدها أن تحفظه.

ولد بمدينة الخميسات سنة 1964، ونشأ في بيئة أمازيغية كان الغناء جزءا من تفاصيلها اليومية. ومنذ طفولته، تعلق بصوت رائد الأغنية الأطلسية الراحل حمو أوليازيد، وتأثر بالفنانين الكبيرين محمد مغني ومحمد رويشة، حتى أصبح الفن شغله الشاغل. ولم يتردد في مغادرة مقاعد الدراسة ليكرس حياته للأغنية الأمازيغية، مقتنعا بأن رسالته الحقيقية توجد بين أوتار الوتار، وبين القصيدة التي تحفظ هوية الناس ولسانهم وتاريخهم.

وكان يردد دائما رائعة الراحل حمو أوليازيد:

“ياش إيمانو أد أمزغ
أضار إينو أدور تدوغ غرشا
ياش إيمانو أدا يهنا وول
أداورانيغ سطيط ووناريخ.”

 

لم تكن تلك الكلمات مجرد أغنية بالنسبة إليه، لكن كانت إعلان انتماء إلى مدرسة فنية آمنت بأن الأغنية الأمازيغية ليست لونا موسيقيا فحسب، وإنما ذاكرة وهوية وأسلوب حياة. ومن خلال هذا الوعي، شق عمر بوتموزغت طريقه، باحثا عن بصمته الخاصة دون أن يقطع الصلة بجذور المدرسة الأطلسية التي خرج منها.

وجد في أحيدوس مدرسة فنية متكاملة، بما تحمله من شعر وإيقاع وحكمة جماعية، فنهل من هذا الفضاء، وشيد تجربته الخاصة، جامعا بين تأثيرات محمد مغني ومحمد رويشة، وبين شخصيته الفنية التي ميزته في الأداء واختيار المواضيع. وكان يرى أن أحيدوس ليس مجرد رقصة شعبية أو فرجة فلكلورية، وانما تعبير حي عن روح الجماعة، وعن علاقة الإنسان الأمازيغي بأرضه وتاريخه ولغته.

ظل بوتموزغت وفيا للآلات الموسيقية التراثية، وعلى رأسها الوتار واللون، وكان يؤمن بأن الأصالة ليست نقيضا للتجديد، بل أساسه الحقيقي. لذلك لم يكن يرفض الانفتاح على التطور، لكنه كان يرفض أن يكون ثمن هذا التطور التخلي عن روح الأغنية الأمازيغية، وكان يردد أن الفن الذي يفقد جذوره قد يحقق انتشارا سريعا، لكنه لا يصنع الخلود.

وخلال مسار امتد لعقود، أنتج ثمانية أشرطة غنائية تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية وعاطفية، وظل صوته قريبا من الإنسان البسيط، حاملا همومه وآماله، بعيدا عن منطق الاستهلاك الفني السريع. غير أن هذا الرصيد لم يشفع له لينال ما يستحقه من اهتمام، فعاش، كما عاش كثير من الفنانين الأمازيغيين، بعيدا عن الأضواء، وغاب عن كثير من المهرجانات والمنابر الإعلامية، رغم أنه كان من الأصوات التي حافظت على جزء أصيل من التراث الموسيقي المغربي.

ولم يكن يخفي شعوره بالمرارة من هذا الواقع، إذ كان يرى أن الأغنية الأمازيغية لا تزال تحتاج إلى إنصاف حقيقي، وأن الفنان الأمازيغي يستحق مكانة توازي ما يقدمه للثقافة الوطنية. ومع ذلك، ظل متفائلا، مؤمنا بأن مستقبل الأغنية الأمازيغية سيظل واعدا كلما تكاملت جهود الشعراء والملحنين والفنانين والمنتجين والمؤسسات الثقافية، لأن حماية التراث لا تكون بالشعارات، بل بحماية الإنسان الذي يحمله ويورثه للأجيال.

اليوم، يعود اسم عمر بوتموزغت إلى الواجهة، ليس لأنه أصدر عملا فنيا جديدا، ولا لأنه يشارك في مهرجان، بل لأن المرض فرض عليه واقعا قاسيا، وجعل جمهوره يستحضر مسيرته من زاوية مختلفة؛ زاوية الوفاء لمن منحوا الثقافة المغربية سنوات عمرهم.

السرطان ينهك الجسد… رحلة علاج شاقة بين الخميسات والرباط

وفي مثل هذه اللحظات، تستحضر الأسرة الفنية محطات عديدة جسدت فيها المؤسسة الملكية عناية خاصة بالفنانين والمبدعين. فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس الحكم ، حظي الفن المغربي بمختلف روافده باهتمام واضح، تجسد في تكريم عدد من الفنانين، والاعتراف بإسهاماتهم، والاحتفاء بإنتاجاتهم، والالتفات إلى أوضاع عدد منهم في لحظات المرض والضيق. ولم يقتصر هذا الاهتمام على لون فني دون آخر، بل شمل الأغنية المغربية والطرب، والأغنية الأمازيغية، والمسرح، والسينما، وموسيقى الراب، والفنون التشكيلية، في تأكيد مستمر على أن الثقافة تشكل أحد أعمدة الهوية المغربية، وأن الفنان جزء من رصيدها الرمزي.

ورغم هذه الصورة، تبقى هناك أسماء كثيرة لم تصل صرختها إلى حيث ينبغي أن تصل. أسماء اختارت أن تشتغل في صمت، وأن تمنح الفن كل ما تملك، قبل أن تجد نفسها في مواجهة المرض بعيدا عن الأضواء. ويبدو عمر بوتموزغت واحدا من هذه الأسماء؛ فنان لم يطلب يوما أكثر من أن يغني لوطنه وتراثه، وها هو اليوم لا يحتاج إلا إلى فرصة للعلاج، بعدما أنهكت رحلاته المتكررة إلى المستشفى جسدا حمل الأغنية الأمازيغية بإخلاص لعقود طويلة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات أن يتحول الوفاء إلى فعل. فالفنان، مهما بدا فردا، يحمل في داخله ذاكرة جماعية، وحين تمتد إليه يد العون، فإنها لا تنقذ شخصا واحدا فقط، بل تحفظ جزءا من الرصيد الثقافي للأمة. لذلك، لا ينظر كثير من محبي عمر بوتموزغت إلى الالتفاتة المنتظرة باعتبارها مساعدة ظرفية، وإنما باعتبارها اعترافا برحلة طويلة من العطاء، ورسالة مفادها أن المبدعين الذين خدموا هوية المغرب لا يُتركون وحدهم عندما يشتد عليهم المرض.

لذلك، تتجه الأنظار اليوم إلى أن تحظى الحالة الصحية للفنان عمر بوتموزغت بالالتفاتة التي تليق بمسيرته، سواء من المؤسسة الملكية التي ارتبط اسمها برعاية الفنانين والمبدعين، أو من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ومن مختلف المؤسسات والفاعلين، حتى يتمكن من مواصلة العلاج في ظروف تحفظ كرامته وتمنحه فرصة حقيقية لاستعادة عافيته.

وربما لا تمثل قصة عمر بوتموزغت قصة مريض فقط، هي قصة جيل كامل من الفنانين الذين حملوا التراث الأمازيغي فوق أكتافهم، وحافظوا على ذاكرة الأطلس حية في زمن كانت فيه الأغنية وسيلة لحفظ الهوية قبل أن تكون وسيلة للترفيه. ويبقى الأمل أن يعود هذا الصوت إلى جمهوره، لا لأن المغرب يحتاج إلى فنان واحد فحسب، انما لأن الأوطان التي تحفظ ذاكرتها لا تترك أصواتها الأصيلة تخفت في صمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى