حين يصبح “كوكب المؤثرين” عبئاً يطرق باب الأسر المغربية

بشرى عطوشي

تحليل _ لم تعد ظاهرة المؤثرين والمؤثرات في المغرب مجرد مساحة للترفيه أو مشاركة تفاصيل الحياة اليومية. خلال السنوات الأخيرة تحولت بعض الحسابات إلى منصات تجارية ضخمة، تصنع الرغبات قبل أن تبيع المنتجات، وتقدم أنماطاً من الحياة والاستهلاك وكأنها الوضع الطبيعي الذي ينبغي للجميع أن يطمح إليه.

وفي صيف هذه السنة، بدا المشهد أكثر وضوحاً. شواطئ وفنادق فاخرة، مطاعم باهظة، سيارات، ملابس وإكسسوارات، رحلات، حفلات ومظاهر استهلاك متواصلة؛ يوميات مصورة بعناية تجعل المتابع يشعر بأنه يتجول داخل عالم لا يشبه بالضرورة الواقع الذي تعيشه غالبية الأسر المغربية.

المشكلة ليست في أن يعيش شخص حياته كما يريد، ولا في أن يستمتع المؤثر أو المؤثرة بعطلة مريحة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الحياة الخاصة إلى «منتج» إعلامي، وعندما يصبح الاستعراض المتواصل معياراً للنجاح والسعادة، خصوصاً عندما يصل هذا المحتوى إلى أطفال ومراهقين وشباب لا يملكون القدرة الاقتصادية نفسها ولا الوعي الكافي دائماً لفصل الإعلان عن الواقع.

هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام حياة حقيقية، أم أمام صناعة متكاملة لصورة حياة مصممة خصيصاً للكاميرا؟

المؤثرون صناع الأوهام والحملات التسويقية

بعض المؤثرين لا يعرضون الحياة كما هي، وإنما يعرضون نسخة منتقاة منها: أجمل زاوية، أغلى فندق، أفضل طبق، السيارة الأكثر لفتاً للانتباه، واللحظة التي توحي بأن صاحب الحساب يعيش في مستوى اقتصادي مختلف تماماً.

لكن المتابع لا يرى دائماً ما وراء الصورة: هل الرحلة مدفوعة؟ هل الفندق قدم الإقامة مقابل الترويج؟ هل الملابس هدية إعلانية؟ هل المطعم جزء من حملة تسويقية؟ وهل ما يبدو حياة يومية هو في الحقيقة محتوى تجاري تم إخراجه بطريقة تجعل الإعلان يبدو كأنه تجربة شخصية عفوية؟

مكامن خطورة المؤثرين على أجيال بأكملها

فالمؤثر لم يعد مجرد شخص يحمل هاتفاً أمام الكاميرا. بالنسبة إلى شركات كثيرة، أصبح قناة إعلانية أكثر تأثيراً من الإعلان التقليدي، لأنه يدخل مباشرة إلى الهاتف وغرفة النوم ووقت الفراغ، ويخاطب المتابع بلغة تبدو شخصية وحميمية.

وتزداد الإشكالية عندما تدخل المؤسسات المالية إلى هذا المجال.

فالترويج غير المباشر للقروض أو البطاقات أو تمويل الاستهلاك يمكن أن يخلق لدى المتابع شعوراً بأن امتلاك السيارة، السفر، تغيير الأثاث، اقتناء آخر صيحات الهواتف أو تمويل نمط حياة معين أمر طبيعي ومتاح دائماً.

وبدل أن يكون السؤال: «هل أستطيع تحمل هذه الكلفة؟»، يتحول السؤال إلى: «لماذا لا أعيش مثلهم؟».

تحول المقارنة الاجتماعية  إلى ضغط اقتصادي

ليس من الضروري أن يقول المؤثر للمتابع: «خذ قرضاً». يكفي أحياناً أن يكرر أمامه نمطاً استهلاكياً مرتفعاً، ثم يظهر منتج مالي في الخلفية أو رابط أو عرض تجاري، حتى تتشكل الرسالة في ذهن المتلقي: الاستهلاك أولاً، والدفع لاحقاً.

والأمر نفسه ينطبق على القطاع الفندقي، فالفندق المصنف لا يحتاج دائماً إلى حملة إعلانية تقليدية عندما يستطيع أن يستقبل مجموعة من المؤثرين، ويترك لهم مهمة صناعة عشرات المقاطع والصور التي تظهر المكان وكأنه الوجهة الطبيعية لكل شخص يريد أن يعيش «الحياة الجميلة».

وهكذا يتحول المؤثر إلى واجهة إعلانية، ويتحول الفندق إلى ديكور، ويتحول المتابع إلى مستهلك محتمل.

الأكثر خطورة أن هذه العملية تتم أحياناً في منطقة رمادية بين المحتوى الشخصي والإعلان. فالمتابع قد لا يعرف دائماً أنه أمام محتوى تجاري، خصوصاً عندما يقدم الإعلان على شكل «روتين يومي»، أو «عطلة»، أو «تجربة شخصية»، أو «مفاجأة من صديقة».

وهذا يفرض سؤالاً أكبر على المؤسسات الإعلانية والمنصات الرقمية والجهات المختصة: إلى أي حد يجب أن يكون الإعلان واضحاً وصريحاً عندما يكون الجمهور من المراهقين والشباب؟

المغرب ليس مجتمعاً قائماً على الاستهلاك المفرط، والأسرة المغربية، رغم تغير أنماط الحياة، ما زالت تحمل قيماً مرتبطة بالاعتدال والتكافل واحترام الإمكانيات. لكن بعض المحتوى الرقمي يدفع باتجاه معاكس تماماً: القيمة في المظهر، النجاح في الماركة، السعادة في السفر، والتميز في القدرة على الإنفاق، وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بمؤثرة أو مؤثر بعينه.

أجيال تتغدى وتقتدي بمن وراء شاشات الهواتف

نحن أمام جيل يتعلم من الشاشة أكثر مما يتعلم أحياناً من محيطه. وعندما يرى الشاب أو الشابة يومياً عشرات الحسابات التي تقدم حياة مترفة ومثالية، يمكن أن تتشكل لديه صورة مشوهة عن «الحياة الطبيعية».

قد تبدأ المسألة بإعجاب، ثم مقارنة، ثم شعور بالنقص، ثم رغبة في الاستهلاك، ثم ضغط على الأسرة.

الأم قد تجد نفسها أمام ابنة تريد ملابس أو مستحضرات أو سفراً لأنها شاهدتها عند مؤثرة. والأب قد يجد نفسه أمام مطالب تتجاوز إمكانياته لأن الأسرة أصبحت تقارن نفسها بما تراه على الهاتف.

وهكذا ينتقل تأثير المؤثر من الشاشة إلى داخل البيت.

 المسؤولية لا تقع على المؤثر وحده

هناك مسؤولية الشركات التي تدفع مقابل هذا المحتوى، ومسؤولية وكالات الإشهار التي تصمم الحملات، ومسؤولية المنصات التي تسمح بتضخيم المحتوى، ومسؤولية الأسر في التربية الرقمية، ومسؤولية المجتمع في تعليم أبنائه أن ما يظهر على الشاشة ليس بالضرورة صورة كاملة للحقيقة.

والأهم أن المؤثر نفسه يجب أن يدرك أن امتلاكه لجمهور كبير يمنحه قوة وتأثيراً، لكنه يمنحه أيضاً مسؤولية.

ليس المطلوب أن يتوقف المؤثر عن السفر أو ارتداء الملابس الجميلة أو الإقامة في الفنادق. المطلوب فقط ألا تتحول حياته المصورة إلى معيار اجتماعي مزيف، وألا يتحول الجمهور إلى سوق مفتوحة لاستنزاف القدرة الشرائية للأسر.

لقد آن الأوان ربما لإعادة تعريف «التأثير».

فالمؤثر الحقيقي ليس من يستطيع إقناع الناس بأن ينفقوا أكثر، وإنما من يستطيع أن يؤثر فيهم دون أن يجعلهم يشعرون بأنهم أقل قيمة لأنهم لا يعيشون مثله.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: لماذا لا نعيش مثل المؤثرين؟ بل: من المستفيد من إقناعنا بأن علينا أن نعيش مثلهم؟

فوراء الصورة الجميلة قد توجد حملة إعلانية، ووراء الفندق قد توجد صفقة، ووراء المنتج قد يوجد هدف تجاري، ووراء الرغبة في الاستهلاك قد يوجد قرض.

أما الأسرة المغربية، التي تواجه أصلاً ارتفاع تكاليف الحياة، فلا تحتاج إلى كوكب افتراضي جديد يقنعها بأن ما لديها لا يكفي.

تحتاج إلى واقع يحترم إمكانياتها، وإلى إعلام رقمي أكثر صدقاً، وإلى مؤثرين يدركون أن ملايين المشاهدات ليست مجرد أرقام، وإنما مسؤولية تجاه جيل كامل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى