انتقد مشروع “غار جبيلات” فكان مصيره السجن.. الجزائر تواجه الرأي الاقتصادي بأربع سنوات خلف القضبان

مديحة المهادنة

أثار الحكم الصادر في الجزائر بحق الخبير الاقتصادي جلول سلامة، والقاضي بسجنه أربع سنوات نافذة، تساؤلات حادة بشأن حدود حرية التعبير ومناقشة السياسات الاقتصادية، بعدما تحولت تصريحات إعلامية انتقد فيها الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم “غار جبيلات” إلى متابعة قضائية انتهت بإدانته، في واقعة تعيد إلى الواجهة الجدل بشأن التعامل مع الأصوات المنتقدة للمشاريع الاستراتيجية التي تتبناها السلطات الجزائرية.

وأكدت منظمة شعاع لحقوق الإنسان، في معطيات نشرتها بتاريخ 15 أكتوبر 2026، أن محكمة الدار البيضاء بالجزائر العاصمة أصدرت حكماً يقضي بإدانة الخبير الاقتصادي بأربع سنوات حبساً نافذاً وغرامة مالية، على خلفية تصريحات وتحليلات تناول فيها مشروع استغلال منجم الحديد “غار جبيلات”، أحد أبرز المشاريع التي تراهن عليها الجزائر لتنويع اقتصادها. 

وتعود القضية إلى مداخلة تلفزيونية  ناقش خلالها سلامة جوانب تقنية ومالية مرتبطة بالمشروع، من بينها جودة خام الحديد وتكاليف استخراجه ونقله وآفاق مردوديته الاقتصادية، وهي قضايا تدخل في صميم النقاش بشأن الاستثمارات العمومية الكبرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع تستدعي تعبئة موارد مالية ضخمة.

غير أن هذه الملاحظات الاقتصادية انتهت إلى متابعة الخبير بتهمة النشر والترويج العمدي لأخبار أو أنباء كاذبة أو مغرضة من شأنها المساس بالأمن العمومي أو النظام العام، استناداً إلى المادة 196 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، وفق المعطيات المنشورة بشأن القضية. وكان سلامة قد أوقف في 24 يناير 2026، قبل إيداعه الحبس المؤقت في 5 فبراير، لتصدر إدانته بعد أشهر من الاعتقال وتأجيل محاكمته مرتين لأسباب صحية. 

ويتجاوز الجدل في هذه القضية مصير خبير اقتصادي إلى سؤال أشمل بشأن المناخ الذي تُناقش فيه القرارات الاستثمارية بالجزائر، وحدود الفصل بين النقد المهني والتجريم الجنائي. فالتشكيك في مردودية مشروع اقتصادي، مهما بلغت أهميته السياسية والاستراتيجية، يظل موضوعاً قابلاً للمناقشة بالأرقام والدراسات والمعطيات التقنية، ولا يفترض أن يتحول الاختلاف بشأنه تلقائياً إلى تهديد للنظام العام.

كما يضع الحكم السلطات الجزائرية أمام تساؤل بشأن مدى تقبلها للنقاش الاقتصادي المستقل، في وقت تستدعي فيه المشاريع الصناعية الكبرى تقييماً موضوعياً لتكاليفها وعائداتها ومخاطرها. فالدفاع عن جدوى استثمار عمومي لا يتحقق بإقصاء الآراء المخالفة، وإنما بتقديم المعطيات القادرة على إثبات سلامة الخيارات الاقتصادية.

وبينما يبقى تحديد المسؤوليات القانونية من اختصاص القضاء، فإن الحكم على جلول سلامة يطرح إشكالية تتجاوز حدود هذا الملف، وتتعلق بما إذا كان بإمكان الخبراء والباحثين الجزائريين مناقشة المشاريع الحكومية بحرية، دون خشية أن تتحول تقديراتهم المهنية إلى أساس لمتابعات جنائية.

فالدولة التي تراهن على المشاريع الكبرى لإثبات قوتها الاقتصادية يفترض أن تكون قادرة على الدفاع عنها بالحجج والأرقام، لا أن يصبح انتقاد مردوديتها سبباً لإيداع أصحاب الرأي خلف القضبان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى