أحمد المهدي مزواري.. مسار سياسي حافل بالعطاء والكفاءة يتوج بثقة ملكية ومسؤولية وزارية (بورتريه)

مديحة المهادنة

بعد سنوات من الحضور في المشهد السياسي والبرلماني، وتراكم التجارب في التدبير المحلي والعمل المؤسساتي والتنظيم الحزبي، يدخل أحمد المهدي مزواري مرحلة جديدة في مساره، عقب تعيينه، اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، من طرف الملك محمد السادس، وزيراً منتدباً لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، مكلفاً بالصيد البحري، ضمن الحكومة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، في انتقال من المسؤوليات السياسية والتمثيلية إلى تدبير قطاع اقتصادي واستراتيجي يرتبط بالثروة البحرية والأمن الغذائي والتنمية الاجتماعية. 

وينتمي مزواري إلى جيل من الأطر السياسية التي تدرجت داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مستنداً إلى تجربة تنظيمية امتدت من العمل الشبابي والمحلي إلى عضوية المكتب السياسي، قبل أن يتولى مسؤولية الكتابة الجهوية للحزب بجهة الدار البيضاء سطات، ليجمع في مساره بين التأطير السياسي والممارسة البرلمانية والانخراط في تدبير القضايا المحلية والوطنية.

وتعود جذور هذا المسار إلى مدينة المحمدية، التي رأى فيها النور ونشأ وسط أسرة ارتبط تاريخها بالعمل السياسي الاتحادي، إذ كان والده من الفاعلين في تدبير الشأن المحلي خلال ثمانينيات القرن الماضي. وقد شكل هذا المحيط إحدى البدايات المبكرة لاهتمامه بالعمل العام، قبل أن ينخرط في الشبيبة الاتحادية ويتدرج عبر الهياكل المحلية والمجلس الوطني للحزب، وصولاً إلى جهازه القيادي. 

ولم يقتصر اهتمام مزواري على النشاط الحزبي التقليدي، بل امتد إلى قضايا تأهيل الشباب وتعزيز مشاركتهم في الحياة السياسية، حيث ساهم في تأسيس المعهد الوطني للشباب والديمقراطية، وتولى رئاسته خلال الفترة الممتدة من 2006 إلى 2012، وهي تجربة ارتبطت بالتكوين والتأطير وتبادل الخبرات بين التنظيمات الشبابية.

وفي مارس 2012، انتُخب منسقاً وطنياً للهيئة الوطنية للشباب والديمقراطية، التي تجمع مختلف الشبيبات الحزبية، بهدف تشجيع المشاركة السياسية للشباب وترسيخ الممارسات الديمقراطية داخل التنظيمات السياسية، وهي مسؤولية أضافت إلى تجربته الحزبية بعداً مؤسساتياً يتجاوز حدود الانتماء التنظيمي الواحد. 

وشكلت الانتخابات التشريعية لسنة 2011 محطة مفصلية في مساره، بعدما تمكن من دخول مجلس النواب عبر اللائحة الوطنية للشباب باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال الولاية التشريعية الممتدة إلى سنة 2016، حيث انضم إلى الفريق الاشتراكي واشتغل داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية.

وخلال هذه التجربة، تولى مزواري مهمة نائب رئيس لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، وشارك في مناقشة ملفات ترتبط بالمالية العمومية والاستثمار والمؤسسات العمومية والحكامة الاقتصادية، إلى جانب ممارسة مهامه الرقابية من خلال الأسئلة البرلمانية الموجهة إلى القطاعات الحكومية.

وتكشف المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لمجلس النواب عن اهتمامه بعدد من القضايا المرتبطة بتدبير المال العام، من بينها اقتناء سيارات المصلحة بالجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، ووضعية المحاسبين المعتمدين، وإشكالات إعادة إسكان قاطني دور الصفيح، إلى جانب ملفات اجتماعية واقتصادية أخرى. 

كما اتسع نشاطه ليشمل المشاركة في شبكات وهيئات دولية، من بينها شبكة البرلمانيين المرتبطة بصندوق النقد الدولي، وعضوية لجنة برنامج تدبير التحولات الاجتماعية “MOST” التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، بما أتاح له الانفتاح على قضايا الحكامة والسياسات العمومية والتعاون المؤسساتي.

وعلى المستوى المهني، ارتبط مساره بمجالي القانون والحكامة، إلى جانب تجربة في قطاع التأمين، وهو ما يعكس تعدد مجالات اشتغاله بين الممارسة السياسية والعمل الاقتصادي والمؤسساتي.

وقد تعزز هذا المسار بتعيينه سنة 2020 عضواً بمجلس الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، بموجب قرار صادر عن رئيس مجلس النواب، في مسؤولية ترتبط بضبط قطاع استراتيجي ومواكبة التحولات التنظيمية والمؤسساتية التي يعرفها المجال الطاقي بالمغرب.

وعلى المستوى الترابي، حافظ مزواري على ارتباطه بمدينة المحمدية، حيث خاض الانتخابات الجماعية لسنة 2015 على رأس لائحة الاتحاد الاشتراكي، التي تمكنت من الحصول على عشرة مقاعد بالمجلس الجماعي، قبل أن يواصل اشتغاله داخل المؤسسة المنتخبة في ملفات ترتبط بالتدبير المحلي ومراقبة الشأن العام.

وفي فبراير 2017، انتُخب رئيساً للجنة تقصي الحقائق التي أحدثها المجلس الجماعي للمحمدية للنظر في ملفات التعمير والأشغال والمصاريف العامة للجماعة، في تجربة أضافت إلى رصيده السياسي ممارسة مباشرة لآليات التتبع والمراقبة داخل المؤسسات الترابية. 

وبالتوازي مع هذه المسؤوليات، واصل مزواري صعوده داخل هياكل الاتحاد الاشتراكي، حيث شغل مسؤولية الكاتب الإقليمي للحزب بالمحمدية، قبل توليه الكتابة الجهوية بجهة الدار البيضاء سطات، إلى جانب عضويته في المكتب السياسي، ليصبح من الأسماء التي تضطلع بأدوار تنظيمية في تدبير الاستحقاقات الانتخابية وتنسيق العمل الحزبي على المستوى الجهوي.

وامتد حضوره إلى العلاقات الدولية للحزب، إذ شارك ضمن وفود اتحادية في لقاءات مع تنظيمات سياسية أوروبية، كما مثّل الاتحاد الاشتراكي خلال المؤتمر الحادي والثمانين للحزب الاشتراكي الفرنسي، المنعقد بمدينة نانسي في يونيو 2025، في إطار تقوية العلاقات بين الحزبين وتطوير قنوات التواصل داخل العائلة الاشتراكية الدولية. 

وقبيل الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، تولى مزواري الإشراف على عدد من الترتيبات التنظيمية المرتبطة بترشيحات الاتحاد الاشتراكي بجهة الدار البيضاء سطات، قبل أن يحظى بتزكية الحزب لقيادة لائحته الانتخابية بدائرة المحمدية.

ورغم أن نتائج الاقتراع لم تمنحه مقعداً برلمانياً، بعدما حل الاتحاد الاشتراكي خامساً بالدائرة، فإن مساره السياسي والمؤسساتي عرف تحولاً جديداً بتعيينه ضمن التشكيلة الحكومية المعلن عنها في 16 أكتوبر 2026، ليتولى للمرة الأولى مسؤولية وزارية. 

ويضع هذا التعيين مزواري أمام تحديات تختلف في طبيعتها وحجمها عن المسؤوليات التي سبق أن تقلدها، بالنظر إلى أهمية قطاع الصيد البحري في الاقتصاد الوطني، ودوره في توفير فرص الشغل وضمان موارد العيش لآلاف الأسر، فضلاً عن مساهمته في تعزيز الأمن الغذائي وتنمية المناطق الساحلية.

كما تأتي مسؤوليته الجديدة في سياق يواجه فيه القطاع تحديات مرتبطة باستدامة الموارد السمكية، وتأثير التغيرات المناخية على المصايد، ومكافحة الصيد غير القانوني، وتحسين شروط اشتغال مهنيي الصيد التقليدي والساحلي، إلى جانب تطوير البنيات التحتية والتثمين الصناعي للمنتجات البحرية.

وهي تحديات سبق أن أبرزتها تقارير مؤسساتية رسمية، أكدت ضرورة تطوير آليات تدبير الثروة السمكية وتعزيز المراقبة والتتبع، بما يضمن التوازن بين استغلال الموارد البحرية والمحافظة عليها. 

وتكتسي المسؤولية الجديدة بعداً خاصاً في مسار مزواري، بالنظر إلى انحداره من مدينة المحمدية، المرتبطة تاريخياً بالأنشطة المينائية والبحرية، وما يطرحه مهنيو الصيد بها، كما في مختلف الموانئ المغربية، من انتظارات تتعلق بتحسين ظروف العمل والتسويق وحماية الموارد وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.

وبين تجربة برلمانية امتدت لخمس سنوات، ومسؤوليات حزبية ومحلية، ومشاركة في مؤسسات الحكامة والتعاون الدولي، يدخل أحمد المهدي مزواري الحكومة برصيد متنوع من الممارسة السياسية والمؤسساتية، يضعه أمام مسؤولية تحويل الخبرة المتراكمة إلى قرارات وبرامج تستجيب لحاجيات قطاع حيوي.

وهكذا، ينتقل ابن المحمدية من مسار بدأ داخل التنظيمات الشبابية للاتحاد الاشتراكي، وامتد إلى البرلمان والمؤسسات التنظيمية والهيئات الدولية، إلى موقع المسؤولية التنفيذية، بعد تعيينه وزيراً منتدباً مكلفاً بالصيد البحري، في محطة جديدة من مسيرة سياسية تدرجت عبر مستويات متعددة من العمل العام، لتصبح اليوم أمام اختبار التدبير الحكومي ونتائجه على أرض الواقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى