الأمن السيبراني الطاقي.. بعد جديد في العلاقات المغربية – الروسية

حسين العياشي
يشكل التوجه نحو تعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني الطاقي بين المغرب وروسيا مؤشراً على انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر استراتيجية، حيث لم يعد التعاون محصوراً في الغاز أو البنى التحتية الكهربائية، بل أصبح يشمل أيضاً حماية المنشآت الطاقية من التهديدات الرقمية. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الأمن السيبراني كجزء لا يتجزأ من الأمن الطاقي في ظل عالم تتزايد فيه المخاطر غير التقليدية.
فالنقاش حول الأمن السيبراني بين الرباط وموسكو يأتي في وقت تشهد فيه المنشآت الحيوية حول العالم هجمات إلكترونية متنامية تستهدف شبكات الكهرباء وخطوط الغاز ومراكز التحكم. وبالنسبة للمغرب، الذي يراهن بقوة على مشاريعه في مجال الطاقات المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، فإن أي اختراق سيبراني قد يهدد ليس فقط البنية التحتية الوطنية، بل كذلك طموحه في التموقع كمركز إقليمي للطاقة النظيفة ومزود أساسي للأسواق الأوروبية والإفريقية.
أما روسيا، فهي تعرض خبرتها الطويلة في مواجهة الهجمات الرقمية على شبكات الطاقة، وهو عرض يتجاوز البعد التقني البحت ليحمل أيضاً بعداً سياسياً. فمن خلال هذا النوع من التعاون، تسعى موسكو إلى توسيع مجال نفوذها في القارة الإفريقية، ليس فقط عبر الغاز والقمح والدفاع، ولكن أيضاً عبر مجال جديد يتمثل في الأمن الرقمي المرتبط بالطاقة، وهو ما يعزز صورتها كفاعل لا غنى عنه في الملفات الاستراتيجية.
في المقابل، ينسجم هذا التقارب مع سياسة المغرب في تنويع الشركاء داخل القطاعات الحساسة. فبينما يرتبط بمشاريع كبرى مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجالات الطاقات المتجددة والربط الكهربائي، فإن فتح قنوات تعاون مع روسيا في الأمن السيبراني يمنحه هامشاً أكبر من المناورة، ويعزز من قدرته التفاوضية على الساحة الدولية، كما يمنح لبنياته الطاقية طبقة إضافية من الحماية عبر الاستفادة من تجارب متعددة.
المستقبل القريب قد يشهد تبلور هذا التعاون في صورة برامج تدريب مشتركة لتأهيل الكفاءات المغربية والأفريقية على مواجهة التهديدات الرقمية، أو إنشاء مراكز يقظة سيبرانية موجهة نحو شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث تزداد المخاطر المرتبطة بالإرهاب والهجمات غير المتماثلة. كما أن إدماج البعد الرقمي في الاتفاقيات الطاقية التقليدية سيشكل خطوة إضافية نحو بناء شراكة متكاملة لا تقتصر على البنية التحتية، بل تشمل أيضاً حمايتها من التهديدات العابرة للحدود.
في النهاية، يمكن القول إن الحوار حول الأمن السيبراني بين المغرب وروسيا ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو خطوة استراتيجية تكشف عن وعي متزايد بأهمية التحكم في البعد الرقمي كشرط أساسي لقيادة مستقبل الطاقة. ففي عالم لم يعد التنافس فيه يقتصر على إنتاج الكهرباء أو الغاز، بل على حماية هذه الموارد من المخاطر الخفية، يصبح الأمن السيبراني أحد أعمدة السيادة الوطنية وأداة من أدوات القوة الجيوسياسية.





