آلية جديدة يطلقها الإنتربول من الرباط لتجفيف منابع الأموال المشبوهة

حسين العياشي
يستعد المغرب، لاحتضان الجمعية العامة الـ93 لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، خلال شهر دجنبر المقبل، حيث يُرتقب أن يُعرض لأول مرة التقرير التقييمي لمرحلة تجريبية من أداة مبتكرة تحمل اسم “الآراء الفضية”، والمخصصة لتعقب وتتبع الأصول المالية المشبوهة عبر العالم.
وحسب مصادر مطلعة، فإن التقرير قد لا يُنشر للعموم، غير أن التقديرات الأولية تشير إلى أنه سيكون إيجابياً للغاية، بالنظر إلى ما يتيحه هذا النظام من سرعة في تجميد وحجز الأموال الإجرامية، إضافة إلى العوائد المالية التي يمكن أن تستفيد منها الدول المتعاونة.
في يناير الماضي، أصدرت الإنتربول أول “رأي فضي” بطلب من إيطاليا، ضمن قضية مرتبطة بأصول تعود إلى شخصية نافذة في الجريمة المنظمة. وكما هو الحال مع بقية “الآراء الملونة” التي تعتمدها المنظمة، ظل الغموض والتكتم يحيطان بالقضية، التزاماً بقاعدة السرية المطلقة.
فكرة هذه الأداة ليست وليدة اللحظة؛ إذ تعود جذورها إلى سنة 2015 حين قررت الجمعية العامة للإنتربول تطوير آلية خاصة بتعقب الأموال غير المشروعة. لكن تبنيها الرسمي لم يتم إلا في 2022، خلال الدورة 91 بفيينا، حيث تم الاتفاق على إطلاقها بمرحلة تجريبية تمتد لعامين.
تسمح “الآراء الفضية” بـتحديد مواقع الأصول المشبوهة وتتبعها سراً، عبر إشعارات تصل فوراً إلى المكاتب الوطنية في الدول الـ196 الأعضاء بالإنتربول. هذه السرعة تمثل نقلة نوعية مقارنة بالمساطر القضائية التقليدية التي غالباً ما تستغرق سنوات بين الطلبات الثنائية والمعاملات القضائية.
ولأول مرة، يدخل البُعد المالي كعامل تحفيزي مباشر: فحين لا تتجاوز قيمة الأصول المصادرة 10 آلاف يورو، تؤول بالكامل للدولة التي نفذت الحجز. أما إذا تجاوزت هذا المبلغ، فتنال نصف القيمة. هذا النظام، المطبق جزئياً في اتفاقات أوروبية مثل ما بعد “بريكسيت”، يُنتظر أن يعزز انخراط العديد من الدول، خاصة المراكز المالية الكبرى كالمملكة المتحدة.
تؤكد تجارب سابقة أن الأموال الإجرامية تتسلل بسهولة عبر النظام المالي العالمي، من مليارات الديكتاتور النيجيري ساني أباشا المودعة في مصارف بريطانية، إلى الحسابات السرية التي ارتبطت بأوغستو بينوشيه وتيودورو أوبيانغ في واشنطن. لكن استرجاع هذه الأموال استغرق سنوات طويلة، وهو ما يبرز الحاجة الملحة لأدوات أسرع وأكثر فعالية مثل “الآراء الفضية”.
بالنسبة للمغرب، فإن احتضان هذا الموعد الدولي البارز لا يرسخ فقط مكانته كفضاء للحوار الأمني العالمي، بل يعزز أيضاً صورته كفاعل مركزي في الحوكمة الأمنية العابرة للحدود، في وقت أصبحت فيه الجرائم المالية تتصدر أولويات أجهزة إنفاذ القانون عبر العالم.





