15 عاماً بعد خطاب 9 مارس.. هل اكتمل مسار الإصلاح الدستوري أم تعثر؟

حسين العياشي

بعد خمسة عشر عاماً على خطاب التاسع من مارس 2011، الذي أعلن فيه الملك محمد السادس عن ورش إصلاح دستوري عميق يقوم على توطيد فصل السلط وتعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة، يعود السؤال اليوم بإلحاح: إلى أي حد نجح تنزيل دستور 2011 في ترجمة تلك الرؤية إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية فعلية؟

كان الخطاب آنذاك واضح المعالم؛ فقد وضع أسس تحول مؤسساتي يقوم على برلمان منتخب يتبوأ الصدارة في التشريع والرقابة، وحكومة منبثقة عن الإرادة الشعبية تشارك في ممارسة السلطة، مع تقوية موقع رئيس الحكومة وتوضيح اختصاصات مجلس الحكومة. هذه المبادئ تحولت لاحقاً إلى مقتضيات دستورية صريحة في وثيقة 2011، التي اعتُبرت في حينها خطوة متقدمة في مسار الإصلاح السياسي بالمغرب. غير أن تجربة خمسة عشر عاماً من الممارسة تكشف أن المسافة بين النص وروح التطبيق ما تزال قائمة، وأن بعض الأوراش الدستورية الجوهرية لم تكتمل بعد.

أولى هذه المفارقات تظهر في مسار استكمال البناء القانوني للدستور؛ فقد نصت الوثيقة الدستورية على عدد من القوانين التنظيمية التي يفترض أن تشكل العمود الفقري لتفعيل مقتضياتها، لكن إخراج بعضها استغرق سنوات طويلة، بينما ظل بعضها الآخر معلقاً إلى اليوم. ومن أبرز الأمثلة على ذلك القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين، المنصوص عليه في الفصل 133 من الدستور. فهذه الآلية كان يُفترض أن تشكل إحدى أهم ضمانات الرقابة الدستورية، لأنها تمنح المتقاضين إمكانية إثارة عدم دستورية قانون أثناء نظر القضاء في القضايا المعروضة عليه. ومع ذلك، وبعد أكثر من عقد على اعتماد الدستور، ما يزال هذا الورش معلقاً، إذ لم يدخل القانون التنظيمي حيز التنفيذ الفعلي بعد، ما جعل أحد أهم مقتضيات الرقابة الدستورية يبقى عملياً خارج التطبيق.

هذا التعثر لا يتعلق بتفصيل قانوني بسيط، بل يمس جوهر فلسفة الدستور نفسه؛ فآلية الدفع بعدم الدستورية تمثل إحدى أدوات تفعيل دولة القانون، لأنها تسمح بربط القضاء العادي بالرقابة الدستورية وتعطي للمواطن دوراً مباشراً في حماية الدستور. استمرار تجميد هذه الآلية يطرح بالتالي سؤالاً أعمق حول بطء استكمال المنظومة القانونية التي كان يفترض أن تجعل الدستور حياً داخل المحاكم والمؤسسات.

وفي جانب آخر من التجربة، برزت إشكالات مرتبطة بتوازن السلط كما صاغها الخطاب الملكي نفسه؛ فالدستور نص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية ومنحه صلاحيات أوسع مقارنة بالدساتير السابقة، غير أن الممارسة السياسية أظهرت أن هذه الصلاحيات ظلت محكومة بتوازنات حزبية وسياسية معقدة. فهشاشة التحالفات الحكومية وتعدد مراكز القرار داخل المنظومة المؤسساتية جعلا السلطة التنفيذية في كثير من الأحيان نتاج توازنات سياسية أكثر منها انعكاساً مباشراً للنص الدستوري.

الأمر نفسه ينسحب على البرلمان الذي كان الخطاب الملكي قد وضعه في موقع الصدارة داخل البناء المؤسساتي؛ صحيح أن دستور 2011 وسع مجال القانون وعزز بعض أدوات الرقابة البرلمانية، لكن الممارسة أظهرت أن المؤسسة التشريعية ما تزال تعاني من محدودية التأثير. فجزء كبير من المبادرات التشريعية يظل حكومياً، بينما تبقى أدوات الرقابة البرلمانية محدودة الفعالية في ظل التوازنات السياسية داخل الأغلبية والمعارضة.

أما في ما يتعلق بمبدأ فصل السلط، الذي شكل أحد المرتكزات الأساسية لخطاب 9 مارس، فإن التجربة أظهرت أن النص الدستوري، مهما بلغت دقته، لا يكفي وحده لإرساء توازن فعلي بين المؤسسات ما لم تسنده دينامية سياسية قوية تقودها أحزاب تمتلك القدرة على ممارسة السلطة باسم الشرعية الانتخابية. فالممارسة خلال السنوات الماضية كشفت مفارقة لافتة: في الوقت الذي عزز فيه الدستور مكانة المؤسسات المنتخبة، برز في المقابل حضور متزايد للفاعل التكنوقراطي في تدبير عدد من الملفات الاستراتيجية داخل الدولة.

هذه المفارقة تطرح جدلية حقيقية بين السياسي والتقنوقراطي داخل بنية السلطة؛ فالتكنوقراطي، بحكم تكوينه الإداري أو التقني، قد يوفر كفاءة في التدبير، لكنه لا يستمد شرعيته من صندوق الاقتراع ولا يخضع لمنطق المساءلة السياسية نفسها التي تحكم الفاعل الحزبي المنتخب. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إلى أي حد يمكن الحديث عن تعميق الديمقراطية إذا كانت مواقع أساسية في تدبير السياسات العمومية تُسند إلى وزراء أو مسؤولين لا تحكمهم الشرعية الانتخابية؟ فمن سيحاسب من؟

لقد كان من بين رهانات دستور 2011 إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها مجالاً للتنافس الديمقراطي حول البرامج والاختيارات الكبرى للدولة. غير أن ضعف الأحزاب في إنتاج نخب سياسية قادرة على تحمل مسؤولية القرار، وترددها أحياناً في ممارسة الصلاحيات التي يمنحها لها الدستور، فتح المجال تدريجياً لعودة منطق التدبير التقني للسياسات العمومية. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهد تبدو فيه بعض الملفات الاستراتيجية أقرب إلى مجال الخبرة الإدارية منها إلى ساحة الاختيار السياسي الديمقراطي.

والحال أن الديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد تدبير تقني فعال، بل هي قبل كل شيء نظام يقوم على المساءلة السياسية وربط السلطة بالإرادة الشعبية. لذلك فإن استمرار هذا التوازن المختل بين السياسي والتقنوقراطي يعيد طرح سؤال أساسي حول مدى اكتمال روح الإصلاح الدستوري: هل نجحنا فعلاً في نقل مركز الثقل إلى المؤسسات المنتخبة، أم أن جزءاً من القرار العمومي ما يزال يُدار خارج منطق الشرعية الانتخابية التي أراد دستور 2011 تكريسها؟

ومع ذلك، لا يمكن اختزال حصيلة خمسة عشر عاماً في صورة قاتمة بالكامل؛ فقد أتاح دستور 2011 بالفعل أدوات مؤسساتية جديدة، ورسخ عدداً من المبادئ التي أصبحت جزءاً من الثقافة السياسية والقانونية بالمغرب، مثل دسترة هيئات الحكامة وتوسيع مجال الحقوق والحريات وتعزيز استقلال السلطة القضائية. غير أن هذه المكتسبات تبقى رهينة بمدى استكمال البناء القانوني والمؤسساتي الذي يفترض أن يدعمها.

من هذه الزاوية، تبدو تجربة تنزيل دستور 2011 أقرب إلى مسار إصلاحي مفتوح منه إلى تجربة مكتملة. فالخطاب الملكي في 9 مارس لم يكن مجرد إعلان دستوري بقدر ما كان دعوة إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات والسلطة والمجتمع. بعد خمسة عشر عاماً، يمكن القول إن جزءاً مهماً من هذا التحول قد تحقق على مستوى النصوص والهندسة الدستورية، لكن الطريق ما يزال طويلاً لتحويل تلك المبادئ إلى ممارسة سياسية يومية.

وهكذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد يتعلق فقط بجودة النص الدستوري، بل بمدى قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين على استثمار الإمكانات التي يتيحها. فالدساتير لا تُقاس بقوة صياغتها بقدر ما تُقاس بقدرتها على أن تصبح مرجعاً حياً في حياة المؤسسات. وفي هذا المعنى، يظل دستور 2011 مشروعاً إصلاحياً لم تكتمل فصوله بعد، وما تزال بعض مقتضياته الأساسية تنتظر أن تتحول من وعد دستوري إلى ممارسة فعلية داخل الدولة والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى