بوعياش: إصلاح القوانين وحده لا يكفي لضمان إنصاف النساء

حسين العياشي

احتضن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لقاءً وطنياً بمناسبة اليوم العالمي لحقوق المرأة خُصص لموضوع “العدالة المنصفة: مسارات تمكين النساء والفتيات من الولوج إلى العدالة”. لقاء أعاد التأكيد على أن مسار النضال من أجل الكرامة والمساواة ما يزال متواصلاً رغم ما تحقق من مكتسبات خلال العقود الماضية.

وفي كلمة لها بهذه المناسبة، أكدت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن الثامن من مارس لا يمثل مجرد محطة احتفالية، بل مناسبة للتوقف عند التقدم المحرز وتقييم ما يعتري مسار حقوق النساء من تحديات. فهذه المناسبة، بحسبها، تظل لحظة لتجديد الالتزام الجماعي بالدفاع عن كرامة النساء والفتيات وتعزيز تمكينهن من حقوقهن الإنسانية.

كما شددت بوعياش على أن حقوق النساء هي جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان، غير أن الواقع لا يزال يكشف عن فجوة واضحة في التمتع بهذه الحقوق. فالمعطيات الدولية تشير إلى أن النساء لا يتمتعن عالمياً سوى بنحو 64 في المائة من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال، ما يعكس استمرار التحديات رغم الإقرار منذ عقود بمبدأ المساواة أمام القانون.

وانطلاقاً من هذا الواقع، أوضحت رئيسة المجلس أن العدالة لا تقاس فقط بوجود القوانين، بل بقدرتها الفعلية على ضمان الولوج المتكافئ إلى الحقوق، وحماية هذه الحقوق عند انتهاكها، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وتمكين الضحايا من الإنصاف دون خوف أو تمييز. وهي مقاربة تنسجم مع استراتيجية المجلس القائمة على مبدأ “فعلية الحقوق”، التي تسعى إلى تحويل النصوص القانونية إلى واقع ملموس.

أما على المستوى الوطني، أشارت بوعياش إلى اعتماد عدد من الإصلاحات والإجراءات الهادفة إلى تسهيل ولوج النساء والفتيات إلى العدالة، من بينها إحداث أقسام قضاء الأسرة، وإطلاق خلايا للتكفل بالنساء ضحايا العنف لدى النيابة العامة والمحاكم، إلى جانب خلايا مماثلة داخل مصالح الأمن الوطني والدرك الملكي.

غير أن تقييم هذه الإصلاحات، تضيف بوعياش، لا ينبغي أن يقتصر على النصوص القانونية، بل يجب أن يشمل الممارسة العملية وما يرافقها من صعوبات تعترض النساء والفتيات في مسار ولوجهن إلى العدالة. ومن هذا المنطلق يأتي تنظيم هذا اللقاء، إلى جانب لقاءات جهوية مرتقبة، بهدف تشخيص العوائق واقتراح شروط إرساء عدالة منصفة تراعي الأبعاد القانونية والاجتماعية والمجالية.

وفي هذا السياق، استحضرت رئيسة المجلس عدداً من المبادرات التي أطلقها المجلس خلال السنوات الأخيرة لتعزيز التبليغ عن العنف ضد النساء والفتيات. فقد أطلق المجلس حملة وطنية امتدت من نونبر 2022 إلى نونبر 2023 شجعت على التبليغ في قضايا العنف، وأسفرت عن ارتفاع في عدد الحالات المبلغ عنها، لكنها كشفت في المقابل عن تفاوت بين المحاكم في تكييف أفعال متشابهة.

كما أطلق المجلس سنة 2025 قافلة وطنية للنهوض بحقوق النساء والفتيات في إطار حملة ستة عشر يوماً لمناهضة العنف ضد النساء، جابت الجهات الاثنتي عشرة للمملكة بين 26 نونبر و10 دجنبر، بهدف التحسيس بمخاطر العنف والتعريف بآليات الحماية القانونية والمؤسساتية.

وأظهرت اللقاءات الميدانية التي رافقت هذه القافلة تنامي العنف الرقمي باعتباره أحد أكثر أشكال الانتهاك انتشاراً وأقلها تبليغاً، بسبب الخوف من التشهير والاعتقاد بأن هذا النوع من العنف لا يجد صدى كافياً داخل منظومة العدالة.

كما سجل المجلس، من خلال تقاريره ورصده الميداني، وجود عوائق بنيوية واجتماعية واقتصادية ومؤسساتية تحد من قدرة النساء والفتيات على المطالبة بحقوقهن والولوج الفعلي إلى العدالة، وهو ما يستدعي معالجة شاملة تتجاوز الإصلاحات القانونية.

وترى رئيسة المجلس أن تحقيق العدالة المنصفة يقتضي تهيئة بيئة مؤسساتية ومجتمعية تجعل تمكين النساء والفتيات من العدالة أولوية قائمة على إجراءات فعالة، لأن العدالة المنصفة ليست مجرد مسألة قانونية تقنية، ولا تقتصر على قضايا العنف، بل تمثل أساساً لضمان مختلف الحقوق القانونية والاجتماعية والاقتصادية للنساء.

وفي ختام كلمتها، أكدت آمنة بوعياش أن طموح المجلس يتجاوز تشخيص الإشكالات نحو ترسيخ مقاربة شاملة تضع حقوق النساء والفتيات في صلب منظومة تقوم على الحماية والإنصاف، معربة عن ثقتها في أن النقاشات التي سيشهدها هذا اللقاء ستساهم في بلورة توصيات عملية تقرب المغرب من تحقيق عدالة أكثر إنصافاً وفعالية تضمن للنساء والفتيات حقهن الكامل في الكرامة والإنصاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى